يجمع شراح حرب 1948 على أن أحد أهم عوامل هزيمة العرب آنذاك تباين أهداف العروش العربية وجيوشهم أثناء المشاركة فيها. ومثلما تسبب اختلاف الأجندات العربية في ضياع القسم الأكبر من فلسطين في الحرب, فقد أدى ذلك الاختلاف والتشاحن الى تصفية الوجود الفلسطيني على الصعيدين السياسي والعسكري بعد الحرب. فالبيانات الأولى للملك (عبدالله بن الحسين) بين يدي دخول الجيوش العربية لفلسطين, تضمنت إعلان عدم شرعية الهيئة العربية العليا (القيادة السياسية الفلسطينية) وجيش الجهاد المقدس (العسكرية الفلسطينية) . وكان ذلك التوجه ملفتا في غرابته. فالجيوش التي يفترض أنها استهدفت تحرير فلسطين لأهلها, راحت تصادر قيادة الشعب الفلسطيني. وقد تجلت هذه السياسة تماما في السلوك الأردني. حيث شرعت القوات الأردنية تنهي وجود الجهاد المقدس في المناطق التي سيطرت عليها تباعا شرقي فلسطين. بدلا من أن تكون لها ظهيرا لاسقاط المشروع الصهيوني ودولته الغضة. ومع أن السياسة المصرية (الملكية) لم تذهب الى هذا الحد من الغلو, بل وساهمت القوات المصرية في حماية الجهاد المقدس من المطاردات الأردنية في بعض المواقع, فانها لم تأخذ بدورها اعادة تنظيم الجهاد المقدس على محمل الجد, لاسيما وقد استقرت الادارة المصرية في قطاع غزة بعيد الحرب. والحق أن السياسة الأردنية الساعية آنذاك لاجتثاث الحقيقة الفلسطينية السياسية والعسكرية, لاتفهم إلا في ضوء مشروع المملكة الأردنية المتحدة التي تضم شرق فلسطين مع شرق الأردن. ذلك المشروع الذي تم تنفيذه عمليا فور سكوت المدافع في حرب 1948. أما الموقف المصري المعارض للتجييش الفلسطيني فيفهم في اطار نصوص الهدنة المصرية الاسرائيلية في 24/2/1949 , التي حددت الحركة العسكرية عموما في قطاع غزة سواء كانت من الجانب المصري أو الفلسطيني. وينطلق تخصيص الحديث على كل من السياستين الأردنية والمصرية إزاء استمرار وغياب العسكرية الفلسطينية, ممثلة في الجهاد المقدس في تلك المرحلة, ينطلق من أن هاتين السياستين هما اللتان سيطرتا على ما تبقى من فلسطين التاريخية بعد هزيمة 1948-1949. ومن ثم فهما اللتان كان بوسعهما اعادة تنظيم الحياة الفلسطينية من جميع المناحي في أجواء الدمار الشامل الذي حاق بها من جراء الهزيمة. لكن الذي حدث كان غير ذلك بالمرة. على أن ثمة فارق كبير بين التوجهين الأردني والمصري بالخصوص, ولعله من التجاوز الموضوعي بمكان اغفال هذا الفارق. فاذا كان النظام الأردني قد ذهب في غمرة الحرب وبعدها الى تطبيق مسعى قديم في توسيع كيانه الجغرافي السياسي غربا باتجاه فلسطين. فإن النظام الملكي المصري, لم يكن لديه مخطط واضح ولا نظير له على صعيد مستقبل فلسطين. بصيغة أخرى, كانت السياسة الأردنية لتصفية العسكرية الفلسطينية تقوم عن قصد وسابق اعداد وترتيب, فيما تأتت السياسة المصرية من واقع المستجدات التي فرضتها نتائج الحرب. فقبل اكتمال الهزيمة العربية, ساعدت الحكومة المصرية من مدخل الجامعة العربية, على تأسيس حكومة عموم فلسطين في غزة 23/9/1948. وكان من المفهوم أن قوات الجهاد المقدس هي المرشح الوحيد لتصبح جيش هذه الحكومة على طريق استعادة زمام المبادرة السياسية والعسكرية, واعلان ديمومة الوجود السياسي والعسكري الفلسطيني في مواجهة الوافد الاستيطاني ممثلا في دولة اسرائيل. وقد جسد الرفض الأردني الصارم لهذه الحكومة, جوهر الفارق بين السياستين المصرية والأردنية, فقد فهمت عمان نشوء الحكومة بدعم مصري ظاهر على أنها خطوة عدائية مصرية إزاء المشروع الهاشمي الأردني بضم شرق فلسطين لعرش الملك عبدالله. ولهذا ركزت عمان جهودها على استئصال أي نفوذ للحكومة الفلسطينية الوليدة, وأولت عناية خاصة بتدمير بقايا قوات الجهاد المقدس, جيش الحكومة المزمع في مناطق سيطرة القوات الأردنية في شرق فلسطين. وبينما السياستان المصرية والأردنية في شد وجذب وتشاد بخصوص حكومة عموم فلسطين وجيشها ودورها, وبينما الحكومة الفلسطينية العتيدة تتجه لاعادة تصفيف قوات الجهاد المقدس, حدثت تطورات على جبهة القتال المصرية الاسرائيلية, أدت لاختلاف حسابات القاهرة الملكية. فقد شنت القوات الاسرائيلية هجوما مركزا قويا ضد القوات المصرية منفردة, ومن جراء نتائج ذلك الهجوم ومداخلات خارجية بريطانية وأمريكية, تم التوافق على ابرام الهدنة المصرية الاسرائيلية في رودس. وبذلك أضحت الحكومة الفلسطينية أمام جدول أعمال عسكري وسياسي مختلف بين يدي السياسة المصرية. جدول لاتناسبه الاستعدادات الفلسطينية لتنشيط العسكرية واعادة تنظيم الجهاد المقدس. وهكذا, التقت السياستان الأردنية والمصرية على حجب العسكرية الفلسطينية غداة النكبة, وإن من منطلقات مختلفة, وقد استخدمت الجامعة العربية كأداة في عملية التصفية النهائية هذه. وتم ذلك عبر منع تمويل كل من حكومة عموم فلسطين وقوات الجهاد المقدس, ثم اعلان تجميد الحكومة ذاتها عام 1952. ولامجال للتساؤل في أجواء النكبة الفلسطينية عن أسباب إنصياع العسكرية الفلسطينية لهذا التوجه العربي. فقد كانت السيطرة العربية مطلقة تقريبا على كل مناحي الحياة الفلسطينية .. وكان على الشعب الفلسطيني أن ينتظر متربصا لأكثر من خمسة عشر عاما بعد النكبة, من أجل إعادة التكوين والاحياء العسكري (والسياسي) بعد قيام منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 وجيشها, جيش التحرير الفلسطيني. * كاتب فلسطيني - القاهرة