هل تتطلع جماهير الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة حقا الى قيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة الاستقلال؟ ربما كان طرح السؤال غريبا.. فالتطلع الى الاستقلال هو الشعور الطبيعي لدى اي شعب يرزح تحت احتلال اجنبي. لكن تجربة ما بعد (اوسلو)، في الارض الفلسطينية المحتلة تحت نظام حكم ذاتي بقيادة الرئيس ياسر عرفات تجعل الاسرة الفلسطينية العادية في افضل الاحوال غير مبالية. فإذا كانت مرحلة الحكم الذاتي بما فرضت على الجماهير الفلسطينية من ظروف اقتصادية سالبة ومنهج فساد مؤسسي وقهر بوليسي متعاظم, تعتبر مقدمة لما سيكون عليه حال الشعب الفلسطيني في اطار دولة فلسطينية مستقبلية كاملة الاستقلال, فإن من المشكوك فيه ألا تكون المشاعر الشعبية الفلسطينية تجاه الاستقلال قد تبخرت ولو مؤقتا. وليس ادل على ذلك من انه باستثناء شريحة طبقية متميزة تتكون من رجال عرفات ومن حولهم من وسطاء ونصابين من المستفيدين من نهج الفساد والاثراء الشخصي فإن الفلسطينيين صاروا الآن يتحسرون على ايام ما قبل (اوسلو) . اكتب هذا ولم تتكشف حتى الآن طبيعة الظروف التي توفي فيها فلسطيني في الخامسة والثلاثين يدعى خالد محمد بكار وهو رهن الاحتجاز لدى الشرطة الفلسطينية في سجن قرب مدينة الخليل مما اثار زوبعة من الاحتجاج بواسطة منظمات حقوق الانسان المحلية. وحادثة الوفاة المريبة هذه تأتي في اعقاب قيام اجهزة الامن الفلسطينية التي يزيد عددها على عشرة, باعتقال صحفيين واغلاق محطات اذاعية وتلفزيونية على خلفية وجود مئات من الافراد في المعتقلات بسبب انتقادهم لممارسات السلطة الفلسطينية. في غضون سبع سنوات بعد (اوسلو) تنامت هذه الاجهزة والمؤسسات الامنية لتفرض سيطرة كاملة على مسار الحياة اليومية للفلسطينيين بتشجيع كامل من اسرائيل فالهدف السياسي الذي تنطوي عليه اسرائيل, استفادة من تجربة التعامل مع الانتفاضة الشعبية الفلسطينية في اواخر ثمانينيات القرن الماضي, هو ان تبقى السلطة الاسرائيلية في الظل بينما تتولى اجهزة امنية فلسطينية مهمة القمع السياسي لجماهيرها. لكن على الصعيد التطبيقي فإن اجهزة الامن الفلسطينية ذهبت ابعد من ذلك. فالقمع المنظم الذي تمارسه الآن بقدر ما يستهدف تدجين الجماهير سياسيا فإنه يستهدف ايضا اسكات اي صوت يتحدث عن فساد رموز السلطة الفلسطينية . وعلى خلفية الفساد المنظم تتدهور مستويات الحياة المعيشية اليومية في الضفة وغزة بحيث ان معدل البطالة بين الشباب القادر على العمل يقترب اليوم من نسبة 50 في المئة. هذه العوامل مجتمعة افرزت تطورين غريبين على خطين متوازيين فمن ناحية ادى اغتراب القيادة الفلسطينية وانفصامها عن شعبها الى اضعاف موقفها التفاوضي ازاء طرف اسرائيلي مدعوم بقوة شعبية اسرائيلية من خلال انتخابات في وضع ديمقراطي تعددي. ومن ناحية اخرى فإن الجماهير الفلسطينية تفقد, بإزاء ثنائي الفقر والقهر المفروضين عليها على يد سلطة فلسطينية, حماستها الطبيعية تجاه هدف الدولة الوطنية المستقلة. وهذا وضع في غاية الخطورة لانه يعني وكأن تاريخ النضال الفلسطيني كان هباء منثورا. ولأنه على هذا النحو البغيض وضع فريد فإنه يتطلب بالضرورة رؤية شعبية جديدة تماما للمصير الفلسطيني.