في الاسطورة القديمة ان (الآلهة) حكمت على (سيزيف) بأن يحمل صخرة كبيرة ثقيلة على ظهره ويصعد بها الى قمة الجبل.. فإذا ما وصل الى القمة سقطت الصخرة الى القاع.. فيعود (سيزيف) ليحملها من جديد الى القمة.. وتعود الصخرة للسقوط مرة اخرى الى القاع.. وهكذا.. كان حكم المؤبد على (سيزيف) هو ان يظل حائرا والصخرة على ظهره بين القمة والقاع.واتصور ان سيزيف العصر في مصر هو مجلس الشعب.. يحمل صخرة القوانين والتشريعات على ظهره لكن ما ان ينتهي من واحد منها متصورا انه وصل الى القمة حتى يصدر حكم المحكمة الدستورية العليا برفضه.. فتسقط الصخرة من جديد الى القاع.. وهكذا فإن حكم المؤبد على مجلس الشعب هو ان يظل حائرا وصخرة القوانين على ظهره بين الحكومة والمحكمة الدستورية العليا. ويبدو ان هناك علاقة ما بين مصارعة الثيران في اسبانيا وصناعة وصياغة القوانين والتشريعات في مصر في مصارعة الثيران الاسبانية يعرف الثور انه سيموت في نهاية الشوط لكنه لا يستطيع ان يهرب من قدره فيثور ويغضب ويناطح ويقاتل حتى يجد نفسه جثة هامدة وفي صناعة وصياغة القوانين والتشريعات في مصر تجري عملية السلق بسرعة خاطفة ودون تمهل او تأمل او مراجعة رغم ان الذين يفعلون ذلك يدركون جيدا انها ستموت بسكتة قلبية اسمها عدم الدستورية. لقد اصبحت القاعدة هي بطلان القوانين دستوريا.. وليس بطلان قانون الجمعيات الاهلية (القانون 153 لسنة 1999) هو الاول ولن يكون الاخير وان كان القشة التي قصمت ظهر البعير ونقطة الماء التي جعلت الكوب يفيض بما فيه. ان تحت يدي قائمة لا نهاية لها من القوانين الباطلة دستوريا تحت يدي (16) حكما تلغي نصوصا في القوانين الخاصة بإيجار المساكن والاماكن واللوائح والقرارات المتعلقة بها وبعض نصوص القوانين الخاصة بالمحاماة وتنظيم المنشآت الطبية و(8) احكام تلغي نصوصا في القوانين الجنائية مثل قانون العقوبات وقانون الاجراءات الجنائية والتشريعات الجنائية الخاصة بمكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها وبالمشتبه فيهم وبصون المحميات الطبيعية وبالمحال الصناعية والتجارية المقلقة للراحة والمضرة بالصحة العامة وبالرقابة على المصنفات السمعية والبصرية و(19) حكما تلغي نصوصا في القوانين الاقتصادية والتجارية المتعلقة بالجمارك والتهرب الضريبي والاستيراد والاستثمار والبنوك وشركات الطيران والرقابة على المعادن الثمينة ومراقبة الاغذية وتنظيم تداولها وذبح الحيوانات وتجارة اللحوم وتوجيه وتنظيم اعمال البناء ومواجهة الغش والتدليس و(14) حكما تلغي نصوصا في قوانين الضرائب والشهر العقاري والرسوم المستحقة للدولة والحجز على اموال الهيئات الخاصة ذات النفع العام والحجز الاداري واللوائح والقرارات المتعلقة بها. و(5) احكام تلغي نصوصا في قوانين الصحافة والمطبوعات وبعض نصوص قوانين العقوبات وقانون الاجراءات الجنائية وقانون الاحزاب السياسية المتعلقة بالصحافة والنشر والتي تمثل قيدا على حرية التعبير عن الرأي. وتحت يدي ايضا (17) حكما تلغي نصوصا في قوانين العمل والتأمينات الاجتماعية والقرارات المتعلقة بها والخاصة بالحقوق الوظيفية للعاملين بالدولة والهيئات العامة وشركات قطاع الاعمال والقطاع الخاص واعضاء الهيئات القضائية والسلك الدبلوماسي والقنصلي والقوات المسلحة وتتعلق بالمعاشات والمرتبات والمكافآت والترقيات وشروط التعيين و(6) احكام تلغي نصوصا في قوانين الاحوال الشخصية للمسلمين وغير المسلمين واللوائح المتعلقة بها و(8) احكام تلغي نصوصا في قوانين مباشرة الحقوق السياسية مثل قانون نظام الاحزاب السياسية وقانون مجلس الشعب وقانون مجلس الشورى وقانون حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي وقانون حماية القيم من العيب وقانون نظام الحكم المحلي وقانون نظام الادارة المحلية و(15) حكما تلغي نصوصا في قوانين النقابات المهنية والعمالية خاصة في نقاية المحامين ونقابة المهن العلمية والنقابات العمالية ونقابة المهن الفنية التطبيقية ونقابة واتحاد المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية و(4) احكام تلغي نصوصا في قوانين الحراسة والتأميم والاوقاف ونزع الملكية ومصادرة الاموال والاستيلاء عليها والقرارات المتعلقة بتلك القوانين. انها احكام بالعشرات ان لم تكن بالمئات وهي تشمل كافة نواحي الحياة من الاموال العامة الى الاحوال الخاصة ومن الاستثمار الى الاستهتار ومن الحريات الصحفية الى ممارسة الحقوق السياسية ومن القواعد التجارية الى الاصول الزوجية ومن القوانين الجنائية الى القوانين النقابية ومن رسوم الشهر العقاري الى تأجير اراضي الاصلاح الزراعي ومن لوائح المرتبات الى لوائح المعاشات ومن المهن السينمائية والتمثيلية الى متاعب الادارة المحلية. يكاد لا يوجد قانون الا وفقد صلاحيته... يكاد لا يوجد تشريع الا وضاعت هيبته فكيف يمكن ان ندير المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا بقوانين اشبه باطفال الانابيب نسبة المفقود فيها اكبر من نسبة المولود؟ ان قوانين الانابيب لا تصلح في هذا العصر الذي تفتحت فيه العيون والاذان وعرف فيه الناس حقوقهم وسعوا للحصول عليها في المحاكم ورفعت فيه الحدود والخطوط والاسلاك الشائكة بين دول العالم المختلفة واصبحت فيه المهمة الاولى للدولة هي الصياغة الدقيقة والعادلة للتشريعات والقوانين وضمان سلامتها فالقوانين والتشريعات هي مثل اشارات المرور في ميدان مزدحم لو لم تعمل بكفاءة وحكمة وخبرة تكررت حالات التصادم. ويصبح السؤال: من المسئول عن هذه الاخطاء القانونية المتكررة القاتلة ولا نقول المتعمدة؟ هل هي (السرعة) في (سلق) القوانين وتفصيلها على حالات بعينها دون ان يكون هدفها العموم والاستقرار كما يعرف طالب السنة الاولى في كلية الحقوق؟ هل هي اخطاء اشخاص؟ ام اخطاء مؤسسات؟ ام عدم اتقان من نواب في البرلمان يتوقفون عند مصالحهم الفردية ومشاكلهم الجنائية ولا يتوقفون عند مهامهم الرئيسية التشريعية؟ هل هو هناك خلل في العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية يجعل الحكومة تضغط على البرلمان لتمرير قوانين تحتاجها؟.. ام انه تقصير من الاحزاب السياسية القائمة على العمل السياسي اغلبية ومعارضة؟ هل هو تجاهل لدور مجلس الشورى ام استهانة به؟ هل هو (تكويش) من مجلس الشعب ام (تفريط) من مجلس الشورى ام كلاهما معا؟ ان الدستور هو (ابو القوانين) والدستور القائم وضع في عهد الرئيس السابق محمد انور السادات بعد استفتاء عام في 11 سبتمبر 1971 ثم عدل باستفتاء اخر في 22 مايو 1980 وقد نص التعديل الجديد على ترك نظام الحزب الواحد والاخذ بنظام تعدد الاحزاب ونص على ترك نظام المجلس النيابي الواحد واخذ بنظام المجلسين ورغم ان النظام الاقتصادي والسياسي كان يتغير على ارض الواقع تاركا الادارة المركزية والحكومية للاقتصاد لذمة الماضي الا ان الدستور ظل مصرا على ان النظام القائم نظام اشتراكي وان القطاع العام ركيزته وان المدعي العام الاشتراكي هو مراقبة ومحاسبة وهو ما يعني ان الدستور في واد والواقع في واد ومن ثم كان من السهل التناقض والاختلاف بين قوانين جديدة تسن لواقع جديد وبين دستور متربع على عرش الماضي. ورغم ان الدستور في صورته الحالية قد اخذ بنظام المجلسين النيابيين الا انه في الفصل الثاني منه يتحدث عن انفراد ملجس الشعب وحده بالسلطة التشريعية وبالرقابة على اعمال الحكومة وهو تعارض من نوع اخر فقد خلقنا مجلسا نيابيا جديدا دون ان نمنحه المساواة الدستورية التي كان يسحقها وقد وضع مجلس الشعب لائحته الخاصة باسلوب عمله وبممارسة وظائفه في اكتوبر 1979 قبل ان يولد مجلس الشورى ولم تعدل هذه اللائحة بتعديل الدستور وبميلاد المجلس الجديد ومن ثم ظل وجود مجلس الشورى على هامش الحياة البرلمانية والنيابية والسياسية وتوقف دوره على مدى قوة من يرأسه ومن ينزع له الاختصاصات والمهام وفي النهاية كان هناك من يصفه بمجلس (توجيه الشكر) وكان هناك من يصفه بمجلس (الحكماء) . ورغم ان مجلس الشورى ـ بنص الدستور ـ لابد ان يبدي رأيه في تعديل الدستور وفي القوانين المكملة له ومشروع الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والمعاهدات والاتفاقات الدولية ومشاريع القوانين والموضوعات التي يحيلها رئيس الجمهورية وتتصل بالسياسية العامة للدولة او بالشئون العربية والخارجية الا انه ظل بعيدا بحكم لائحة مجلس الشعب عن الشعبة البرلمانية التي تمثل مصر في المؤتمرات البرلمانية الدولية فلا احد ممن تولوا رئاسة مجلس الشعب ـ الدكتور رفعت المحجوب والدكتور فتحي سرور ـ تصور ان من اللائق تعديل اللائحة القديمة بعد تعديل الدستور والآخذ بنظام المجلسين فلماذا يفكر في التعديل والتعديل يقلل ويختصر من نفوذه وصلاحيته وسلطاته؟ وقد جرت مناقشات وخلافات قانونية حادة حول تفسير المادتين (194 و195 من الدستور) وتنصان على ان مجلس الشورى (يشارك في التشريع) ولكن المناقشات والخلافات التي استمرت سنوات طويلة لم تغير من قناعة مجلس الشعب ـ في ضميره وادائه ـ بأنه الوحيد الذي ينفرد بالتشريع وانه لا حاجة له لمجلس الشورى بكل ما فيه من خبرات متميزة ولجان متخصصة ولا حاجة له لأن يكون جزءا من الشعبة البرلمانية التي تمثل مصر في الخارج وكان ان رفضت المحكمة الدستورية العليا العديد من القوانين التي اصدرها مجلس الشعب لانها لم تمر على مجلس الشورى واخرها قانون الجمعيات الاهلية. وقد حدث ان قدم الدكتور مفيد شهاب بحثا ـ شارك فيه لفيف من رجال القانون منهم المستشار فتحي رجب وكيل اللجنة التشريعية في مجلس الشورى ـ الى الدكتور مصطفى كمال حلمي عن احقية اعضاء مجلس الشورى في ان يكونوا جزءا من الشعبة البرلمانية المصرية وكل ما حدث هو ان الدكتور فتحي سرور وافق متعطفا على ان يضم في لقاءات البرلمانات الدولية عضوين من مجلس الشورى او اقل ليس بصفتهما اعضاء في الوفد وانما بصفتهما كخبراء وهو دائما مثار تهكم من الصحفيين البرلمانيين المرافقين للوفود فاعضاء الشورى يعلقون شارت خضراء والصحفيون يعلقون شارات حمراء وكلاهما لا يملك المشاركة في مناقشة الموضوعات المطروحة ولا التصويت عليها فكل مهمتهم فقط المراقبة وابداء الرأي والنصيحة لاعضاء الوفود من مجلس الشعب الذين يحملون شارات زرقاء واحيانا يقوم اعضاء الوفود من مجلس الشورى بإبداء الآراء علنا تحت غطاء انهم يترجمون نيابة عن اعضاء مجلس الشعب وفي كثير من الاحيان لا يطيق اعضاء مجلس الشعب ثقل المناقشات في بلاد تغريهم بالتسوق والشراء والمضاربة على العملات. واغلب الظن ان ذلك قد دفعاعضاء مجلس الشورى الى مشاعر كثيفة من الاحباط.. واغلب الظن ان الاحباط دفعهم الى عرقلة الكثير من الاعمال البرلمانية الدولية والى عدم متابعة التطور في عمل البرلمانات وفي التشريعات بل ان هناك في البرلمان الدولي من راح يشكك في عدم تمثيل الوفود البرلمانية المصرية تمثيلا مناسبا وطبيعيا.. فما دامت مصر قد اخذت بنظام المجلسين فإن وفودها يجب ان تكون ممثلة منهما معا وعلى قدم المساواة. ونعود للسؤال: من هو صاحب المصلحة فيما يجري؟ هل ما يجري نوع من الجور من مجلس الشعب ام نوع من التنازل من مجلس الشورى؟ ان الاجابة عن مثل هذا السؤال قد تكون كاشفة للأسباب الحقيقية الخفية التي حدت بالمحكمة الدستورية العليا ـ التي تعمل بفلسفة قائمة على تطبيق صحيح للدستور دون تدخل من سلطة سياسية ـ لاسقاط قانون الجمعيات الاهلية, ان حكومة الدكتور كمال الجنزوري ليست المسئولة عن هذا الخطأ كما اتهمتها صحيفة (الوفد) بصريح العبارة.. ربما يكون الخطأ انها تسرعت في تقديم القانون دون ان يأخذ حقه في الدراسة والصياغة في وزارة العدل وفي مجلس الوزراء وفي قسم التشريع في مجلس الدولة بعد ان تأخر القانون سنوات طويلة, ولكن هذا الخطأ ليس هو الخطأ التي نسفت به المحكمة الدستورية العليا القانون.. الخطأ القاتل هو ان القانون لم يعرض على المجلس النيابي الاخر حسب نص الدستور, وهو خطأ في الشكل, لم تناقش معه المحكمة الدستورية العليا الجوهر, فمن المسئول عن هذا الخطأ القاتل؟ لا يمكن اعفاء مجلس الشعب من المسئولية, فقد اخذ على عاتقه الانفراد بمسئولية التشريعات واصدار القوانين, ومن ثم فهو يعرف كيف تصدر التشريعات والقوانين, ويعرف ما الذي يفقدها صلاحيتها ودستوريتها, ويعرف علاقة الشكل فيها بالجوهر, لا احد مسئول غير مجلس الشعب, فهو في النهاية صاحب الخبرة والسلطة في هذا المجال, ويقدر على ألا يستجيب لضغوط الحكومة, ويقدر على اعادة مشاريع القوانين اليها, والى وزارة العدل, ومجلس الدولة, فكل هذه الجهات تقترح وتناقش وتعدل وتصيغ, اما هو فهو الوحيد الذي يقرر. لكن قيادة مجلس الشعب تمضي الكثير من وقتها في خارج البلاد في رحلات برلمانية ربما تكون نافعة او هي قطعا نافعة ولكنها تضيع الوقت الخاص بالدراسة والفحص والتأمل والتجهيز الجيد المتقن للقوانين قبل دخول الجلسات وقبل المناقشات.. كما ان قيادات مجلس الشعب قبلت بمبدأ توسيع الاختصاصات لهم وتضييقها على غيرهم, معتمدين في ذلك على جنوح قيادات المجلس الاخر على ايثار السلامة وتجنب الصراعات والمنازعات. ان الامر اخطر من ان يترك على النحو الذي يجري عليه, فالقاعدة القانونية يجب ان تتصف بالاستقرار والثبات وان تطبق على الجميع بلا استثناء, ولو استمر الحال على ما هو عليه فإن الاشارات الضوئية التي تنظم السير في المجتمع ستضاء بكل الالوان, الاحمر والاصفر والاخضر.. وسيكون من حق الجميع التصادم دون عقاب, ولا املك كلمة مهذبة لوصف هذه الحالة لذلك اتركها لغيري.