يحدث أحيانا ونندم, وحين نفعل ذلك يكون ما نندم بشأنه يستحق ذلك, وبطبعي لا أحب الندم كثيرا, لكنني في الآونة الأخيرة انتابني الندم لبعض الوقت على ضياع فرصة الذهاب إلى جنوب لبنان ضمن الوفد الرسمي لدولة الامارات برئاسة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم, ولكنها الحياة فرص تتوفر بقدر الله, وتتحقق بمشيئته, وحينما تضيع أو يقدر الله بشأنها غير ما نتمنى يكون ذلك لحكمة لا يعلمها إلا هو, ولو كان السفر لغير الجنوب لما كان هناك شيء من ندم. أما لما ندمت فقد أيقنت الآن أكثر من أي وقت مضى ان السماع ليس كالمشاهدة, وان من سمع ليس كمن رأى, هذا أولا, أما الأهم فهو ان ما كان متاحا في سفر الجنوب وفي نطاق البصر والرؤية ليس مشهدا سياحيا أو منظرا طبيعيا لمدينة جميلة أو أثرية, وانما حالة نصر عربي على اسرائيل لن تتكرر في عمر المواطن العربي مرتين, وهي تحدث للمرة الأولى, وكم تمنيت ان أعيشها وأكون في قلبها, ولكن! ان كل الذين ذهبوا إلى الجنوب اللبناني وعادوا, تستطيع ان تميز فيهم حسا آخر وروحا أخرى عادوا بها من هناك غير التي ذهبوا بها, تسمع أصواتهم تجلجل عاليا في سماء المكان, يتحدثون عن أسطورة تحققت على أرض الواقع وهم غير مصدقين لكن فرحهم وبهجتهم تنضح من ثنايا الكلمات والحروف, وبالرغم من ان الزمن لا يتسع لشيء من المعجزات كما كان في السابق, وبالرغم من ان كل التفاصيل والأحوال والظروف لا تقود إلى دعم موقف يكون فيه العرب منتصرين, وبرغم كل المحاولات التي بذلت لطمس أي شعور بالثقة في النصر واسترداد الحق والكرامة والوطن السليب, إلا ان معجزة ما تحققت وربما تقلب هذه المعجزة كل الموازين وكل المعادلات, والسؤال: تقلبها في أي اتجاه؟! عندما فرحنا وما زلنا فرحين شأن الذي لم يعرف فرح الانتصار ذات يوم, فقد كنا نراهن على موقف عربي يغير الميزان للصالح العربي, لكن الذي نراه يتحرك بوضوح خلف ستارة النصر اللبناني الجنوبي شيء آخر تماما, ولا نريد ان نتشاءم لكننا نخشى ان يغتال الكبار في عالم السياسة والمصالح فرحتنا, فهذا ما صرحت به اسرائيل متكئة على القوة الأمريكية والتخاذل العربي حين قالت (لا ضمانات نقدمها لعدم عودتنا للبنان) . ان سوريا تعاني أوضاعا داخلية معروفة وتحاول ترتيب بيتها بشكل نظيف يتوافق مع المرحلة الجديدة, والفلسطينيين يتناحرون فيما بينهم على القيادة والرئاسة وأشياء أخرى, والبحرين مع قطر نرجو ألا يطول أمد خلافهما, وأمريكا تصطاد دائما في الماء العكر, وللأسف فالمياه العربية ليست صافية هذه الأيام, وعدم الصفاء هذا ليس في صالح النصر الجنوبي أبدا, وليس في صالح الحالة العربية الراهنة أبدا, مرة أخرى لانريد ان نندم, فقد ندمنا كثيرا على كل ما ضاع منا طيلة قرن بأكمله.