بقلم: أحمد عمرابي يبدو أنه قد آن الأوان لنعرف ما اذا كان العداء الامريكي الطويل للنظام الحاكم في السودان مبنيا على معطيات وشواهد وأدلة موضوعية أم انه مجرد تحامل منشؤه لدى الدولة العظمى هو أن النظام السوداني يتبنى منهجا استقلاليا في ساحة العلاقات الدولية. فقد تقدمت الحكومة السودانية بطلب الى مجلس الامن الدولي برفع العقوبات التي فرضها المجلس على السودان عام 1996 (وهي عقوبات في جوهرها دبلوماسية) بشأن محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في صيف عام 95 في العاصمة الاثيوبية اديس أبابا. ونعيد الى الذاكرة ان قرار المجلس كان مبنيا على شكوى تقدمت بها مصر بالاشتراك مع اثيوبيا. لكن الموقف تغير الان رأسا على عقب. فمصر واثيوبيا في مقدمة عدد كبير من الدول تمثل الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الافريقية ومنظمة عدم الانحياز.. كلها الان تدعم السودان مطالبة بالغاء قرار العقوبات. واذا كانت الولايات المتحدة دعمت الشكوى المصرية الاثيوبية السابقة بحماسة.. بل وكانت تحرض الدولتين على التعامل بصراحة مع النظام السوداني, فان من المثير الان ان نتابع التطور الجديد المعاكس لننظر كيف تتصرف الولايات المتحدة تجاه دولة لا تزال على (قائمة الدول الراعية للارهاب) التي تعددها وتجددها واشنطن سنويا. لقد كان قرار العقوبات في الأصل قرارا سياسيا وليس قانونيا. فهو لم يتخذ بناء على تحقيق قانوني دولي. لقد كان النظام السوداني متهما بتسهيل هروب اثنين من المواطنين المصريين من الذين كانوا ضمن فريق الاغتيال في أديس أبابا وإيواء ثالث. لكن المذكرات شديدة اللهجة التي بعثت بها القاهرة الى الخرطوم في هذا الصدد لم تكن وثائق قانونية قضائية, وبالتالي كانت تخلو من الادلة القانونية المدعومة. وأما محاكمة من القي القبض عليهم في اديس ابابا في محكمة اثيوبية فكانت محاكمة سرية مما حمل على الاعتقاد بأن الادلة التي ابرزت خلالها كانت ضعيفة. بدوافع سياسية صرفية وليس على أساس معطيات قانونية قاطعة كانت تبني الولايات المتحدة للشكوى المصرية الاثيوبية الى مجلس الامن الدولي عام 1996. الان اختلف المشهد.. فمع انتقال علاقات السودان مع كل من مصر واثيوبيا على الصعيد السياسي من التوتر الى التصالح زالت تلقائيا الدوافع السياسية التي حدت بالدولتين الى تصعيد الامر الى مستوى الامم المتحدة ومطالبة مجلس الامن الدولي بفرض عقوبات على السودان. ومع مصر واثيوبيا يقف حشد من جموع دول العالم الثالث تطالب الان بالغاء العقوبات. ومما يعزز من قوة هذا الحشد الدولي مساندة من قوى كبرى, هي تحديدا فرنسا وروسيا والصين. وفي هذا السياق اثنى د. عصمت عبدالمجيد أمين عام الجامعة العربية على (تحرك المجموعة العربية في نيويورك التي تدعم بشدة طلب السودان) . هل اذن نتوقع ان تعيد واشنطن حساباتها تجاه السودان في ضوء هذا التحرك الدولي الكبير؟ بغض النظر عن الاجابة فان الولايات المتحدة لابد ان تجد نفسها الان امام اختبار مصداقية. فإما ان تدعم الطلب السوداني على اساس ان الدولتين صاحبة الشكوى ضد السودان اللتين وقفت واشنطن الى جانبهما أصلا قد تخلتا عن هذه الشكوى.. وإما أن تقرر معارضة الطلب السوداني رغم تغير الموقفين المصري والاثيوبي.. وفي هذه الحالة تؤكد واشنطن ان عداءها للنظام السوداني موقف ثابت ومبدئي يتعلق بالتوجه الايديولوجي للسودان.