بقلم: عمران سلمان من الواضح ان الضغوط الامريكية والاسرائيلية على القيادة الفلسطينية آخذة بالتزايد والتسارع, لفرض التسوية النهائية على الطريقة التي تقترحها حكومة باراك. أي رفض الانسحاب الى حدود الرابع من يونيو عام 1967, وبقاء القدس عاصمة موحدة لاسرائيل, ورفض وجود جيش (اجنبي) غربي نهر الاردن, ورفض عودة اللاجئين الفلسطينيين الى اراضيهم بموجب القرار الدولي 194. ومن الواضح ايضا ان اي فلسطيني بما في ذلك الرئيس ياسر عرفات, لا يستطيع ان يوافق على هذه الشروط او حتى ما هو ادنى منها. والسبب انها تطيح بصورة تلقائية بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ولذلك فإن الارجح ان عملية السلام والمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية ربما تصل الى طريق مسدود, كما حدث من قبل مع بيريز ونتانياهو. وعلى الرغم من ان الكثيرين ينتقدون السلطة الفلسطينية لقبولها اتفاقات اوسلو, التي يعتبرونها تفريطا في الارض الفلسطينية, ومن ثم يتوقعون ان تقبل هذه السلطة شيئا مماثلا في مفاوضات الوضع النهائي. غير اني شخصيا اعتقد العكس, لأن الامور وصلت الى النهاية التي يتعين فيها على كل من الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني ان يكشف استراتيجيته واهدافه الجوهرية من عملية السلام. نستطيع ان نعتبر ان ما جرى حتى الآن في اطار هذه العملية كان نوعا من التكتيكات التي يفترض انها اذا سارت بالشكل المطلوب, ان توصل كل طرف الى غايته النهائية. وافترض ان كلا منهما كان يعرف ماذا يفعل وماذا يريد الآخر. لذلك لا اشك شخصيا ان ما اعتبر حتى الآن تنازلات من الجانب الفلسطيني لم يكن كذلك. الصحيح ان لكل من اسرائيل ومنظمة التحرير استراتيجيتها الخاصة. فاسرائيل كان دافعها الاساسي من الدخول في عملية السلام مع الفلسطينيين تحقيق هدفين. الاول هو الحصول منهم على اعتراف صريح ورسمي بوجود الدولة العبرية. اما الهدف الآخر فهو ان تكون هذه الدولة يهودية خالصة بما انها حسب التعاليم التوراتية ملك لشعب اسرائيل المختار. ولن يتسنى ذلك الا بفصل الفلسطينيين او الاغيار, حسب التسمية الدينية لكل ما هو غير يهودي, عن اسرائىل وابقائهم في اطر معزولة وممزقة وتحت رحمة اليهود. لكن القادة الاسرائيليين شعروا وهم يتجهون لتحقيق هذه الاهداف ان عليهم ان يدفعوا بعض الثمن للفلسطينيين متمثلا في الانسحاب من اجزاء من اراضي الضفة والقطاع. وهذا بالمناسبة يعتبر ثمنا باهظا بالنسبة لاي يهودي, الذي يؤمن بأن اعطاء (ارض اسرائيل) للاغيار (اي للفلسطينيين) معصية دينية خطيرة. وهي لذلك لا تجوز الا في حالة واحدة, حين يصبح البقاء في هذه الارض اكثر تكلفة من الانسحاب منها. اي حين يكون الخطر الناجم عن الاحتفاظ بالارض فادحا بالنسبة لباقي اليهود ومصالحهم. ان هذه الفتوى او القاعدة مشهورة جدا في التراث الديني. فعلى سبيل المثال يحظر على اي يهودي ملتزم ان يسارع لانقاذ غير اليهودي حتى اذا رآه يموت امامه. وهو قد ينقذه فقط اذا شعر انه ان لم يفعل ذلك سوف يتسبب في جلب كراهية وسخط الآخرين ضد اليهود وبما يفوق طاقتهم على تحمله. اما اذا لم يكن ثمة شيء من هذا, فإنه يتركه يموت ويحمد الله على ذلك. بل ان اليهودي الذي يعتبر ان جميع الناس مخلوقات ادنى منه, لا يسعى ابدا الى تكوين اية علاقة معهم الا مضطرا, وحسب الفوائد التي سيجنيها او الاخطار التي سيتجنبها. هذه العقلية اليهودية هي التي تحكم السياسة الاسرائىلية تجاه الفلسطينيين وتجاه عملية السلام برمتها. وهي تفسر كذلك الانسحاب الاسرائيلي من لبنان كما تفسر اتفاقات السلام مع مصر والاردن. واتوقع ان الفلسطينيين هم اكثر من يعرف هذا عن اليهود, ويعرفون كذلك ان هؤلاء يحتقرونهم مثلما يحتقرون جميع البشر الاخرين ولو استطاعوا لرموهم في البحر او هجروهم الى خارج فلسطين. غير ان للقيادة الفلسطينية استراتيجيتها ايضا التي تجعلها تتحمل كل هذه العنصرية.. ولكن الى حين. وهذه الاستراتيجية يمكن تلخيصها هي الاخرى في هدفين. الاول هو منع اسرائيل من تشريد ما تبقى من الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة, ووقف التدمير المنظم الذي اتبعته قوات الاحتلال الاسرائيلية للمدن والقرى الفلسطينية طوال سنوات الاحتلال. اما الهدف الثاني فهو اقامة نواة حكم فلسطيني في اكبر مساحة ممكنة من الارض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967, والانطلاق منها لتحرير باقي هذه الاراضي, وكان واضحا ان منظمة التحرير تريد خلق واقع جديد على الارض بأي ثمن, وبصورة يستحيل معها ازالته مع الوقت. واتصور ان اتفاقات اوسلو قد اعطت الطرفين الاسرائيلي, والفلسطيني بدرجة اقل, ما سعيا اليه في اطار الاستراتيجية المرحلية. وحتى هنا (وباستثناء اعادة الانتشار الاسرائيلي الثالثة التي لم تتم وعدد من القضايا الاخرى) فإن اتفاقات اوسلو قد استنفذت كامل اغراضها تقريبا. فبفضلها حصلت اسرائيل على اعتراق فلسطيني رسمي بوجودها, كما حصلت منظمة التحرير على اجزاء واسعة من الارض الفلسطينية كي تقيم عليها سلطتها. غير ان ذلك كله, لم يكن في الواقع سوى مرحلة اولية وربما ضرورية لتحسين المواقع, اما المرحلة النهائية والحاسمة, والجاري التفاوض حولها, فالامر سيختلف عندها عما حدث حتى الآن. فالسلطة الفلسطينية تتحدث اليوم عن تمسكها بقرارات الشرعية الدولية 242و338, كاطار لتقرير الوضع النهائي للقضية الفلسطينية, في حين تصعد الحكومة الاسرائيلية من لهجة الرفض والتحدي. واتصور ان الجانب الفلسطيني وقد بلغ هذه المرحلة بات في وضع يمكنه من التفاوض بشروط افضل. اما اسرائىل فهي في مأزق حقيقي. فهي لا تستطيع ان تعيد عجلة الزمن للوراء. اي لا تستطيع ان تعيد احتلال المناطق الفلسطينية من جديد, رغم تكثيفها لعمليات الاستيطان فيها, ولا تستطيع ان تخرج عن اطار العملية وليس امامها سوى خيارين اما تجميد العملية او المضي فيها حتى نهايتها. وباعتقادي انه بمقدار تمسك السلطة الفلسطينية بمواقفها ورفضها للضغوط الاسرائيلية والامريكية فإنها ستجبر في نهاية الامر الاسرائيليين على النزول عند مطالبها. فهؤلاء ليسوا ضعافا بالطبع ولن يسلموا بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني نتيجة قناعتهم بذلك وانما نتيجة خوفهم من ان يؤدي رفضهم المتواصل الى اندلاع اعمال عنف في الاراضي المحتلة وعزلة دولية وعربية لاسرائيل, يجعلها في موضع خطر وتهديد دائم, فضلا عن التشكيك بشرعيتها التي اكتسبتها حتى الآن. هذا الامر هو الوحيد الذي سيجبر الحكومة الاسرائيلية الحالية او المقبلة على الرضوح وليس شيء آخر. وهنا يمكن الحديث عن تشابه ما بين مسألة جنوب لبنان والقضية الفلسطينية لكنه تشابه لا يتعلق بهاتين المسألتين ذاتهما, وانما بالنفسية اليهودية التي لا تتنازل عن شيء الا اذا احست بانها ستفقد اضعافه. وعلى الفلسطينيين ان يصلوا معها الى هذه المرحلة. وهم سيصلون اليها آجلا ام عاجلا, ولكن بعيدا عن التشكيك في وطنية السلطة الفلسطينية او تخوينها.. وغيره من الحديث الديماغوجي واللامسئول.