بقلم: د. شفيق ناظم الغبرا مع كل ذكرى لحرب 67 والتي وقعت في الخامس من شهر يونيو تزداد تلك الحرب ابتعادا عنا وعن واقعنا وتزداد تلك الحرب اهمية للوعي العربي الجماعي. مع كل عام ومع كل نمو لجيل جديد تتحول تلك الحرب الى ذكرى بعيدة تبدو من عالم اخر غير العالم الذي نعرفه ولكنها تتحول ايضا لحافز نحو المستقبل ونحو التغير. وتؤكد لنا احداث العقود الثلاثة الماضية ان حرب 67 والتي خسر فيها العرب القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان مرة واحدة وابان ايام ستة كانت الحرب الاهم في مجرى الصراع العربي الاسرائيلي بل لو قرأنا سياسات اليوم بروحية تعود لتلك الحرب فإن الكثير مما يقع في هذه المرحلة من مساومات وحلول وتسويات وانسحابات ومواجهات ومصادمات وعنف يرتبط بشكل او بآخر بنتائج تلك الحرب. وفي حرب 67 اهتز كل ما يؤكد بأن النصر العربي على اسرائيل مسألة حتمية مرتبطة (بالوحدة) وباستنهاض همم (الجماهير الشعبية) وفي حرب 1967 سقطت القناعة العربية بإمكان اعادة عقارب الساعة الى الحالة التي كانت قائمة قبل قيام اسرائيل في عام 1948. في تلك الحرب سقط الخيار العربي القائم على التوجه القومي والتقدمي الاشتراكي والثوري. وفي ذلك الزمن كان الخطاب العربي شديد الثقة بالنفس شديد الاقتناع بالمقدرة العربية على الحسم. كانت النظرة للامبريالية والغرب تنطلق من زوالهما وانحدارهما وتآكلهما وتحللهما الاخلاقي والعسكري والثقافي, وكانت النظرة لروسيا السوفييتية والصين الشيوعية تنطلق من حتمية انتصار هذه الدول على (الرأسمالية المحتضرة) كان الخطاب العربي خطابا متضامنا مع العالم الثالث والعالم الشرقي ومتصادما مع العرب. لقد شكلت الهزيمة في عام 1967 هزة كبيرة للمفاهيم العربية السائدة انذاك, فمن خلالها تبين ان النصر لا يتحقق من خلال التمنيات والشعارات وتبين ان العلم والتكنولوجيا اهم من كل الشعارات مجتمعة وكل الاعداد المحتشدة وتبين ان للانتصار شروطا كثيرة وان عدالة (القضية) لا تكفي لنصرتها في حرب 67 تبين كم كان الخطاب العربي في ذلك الوقت خارج عصره وخارج سربه. في الجوهر كانت حرب 1967 حربا لم يتهيأ العرب لخوضها اذ كشفت عمق الاثر السلبي للصراعات العربية العربية وللحرب الباردة العربية العربية الدائرة انذاك وقد كشفت الحرب مدى الضعف العربي في المجال الاداري والعلمي والثقافي اذ تبين كم كان الوضع العربي الاداري متراجعا في مجال التخطيط وفي اساليب التفكير والتنظيم وفي اساليب القيادة والتدبير في اساليب القتال والتكنولوجيا والعلوم والتقييم بل تبين كم كان الوضع العربي ضعيفا في فهم اعدائه ومعرفة لغتهم الثقافية والسياسية والادارية والعسكرية وكم كان محدودا في فهم الغرب وطرق تفكيره واساليب تنظيمه ووسائل صنعه للقرار. ومنذ عام 67 وتصفية اثار العدوان الاسرائيلي للعام 1967 في مقدمهة الطرح السياسي العربي. ومنذ ذلك الوقت دخلنا في عدة حروب ومواجهات وصفقات تسوية مع اسرائيل ضمن هدف رئيس لم يتغير ألا وهو استعادة الارض التي سقطت في يد اسرائيل عام 67 لكن الذي تغير ان استعادة تلك الارض ارتبطت بامكانية تحقيق السلام والاستقرار والاعتراف والتبادل. هكذا ساهمت الحرب في البداية في تأجيج الصراع العربي الاسرائيلي ولكنها عادت وساهمت مع الوقت في تغير النظرة العربية لشكل الحل النهائي بين اسرائيل والعرب. وفي ذكرى الحرب التي تركت اكبر الاثار على العرب المطلوب العمل على تجاوزها وتطوير الرد عليها. وهذا ممكن من خلال ممرين متلازمين الاول السعي نحو انسحاب اسرائيل من جميع الاراضي التي احتلتها اسرائىل عام 1967. اما الممر الثاني والذي لا يقل اهمية ان لم يكن يزيد اهمية عن الاول فهو في اتقان المعرفة العلمية والادارية الحديثة, والتحول نحو الحريات والمجتمع. ان السعي لبناء العلم والتعليم ولبناء الثقافة والتثقيف ولاتقان طرق الاقتصاد والتنمية ولتطوير الادارة وفنون القيادة واستيعاب طرق العالم الحديث تشكل في مجموعها الاساس الاهم في الرد على هزيمة ما زلنا نواجه اثارها وتعرجاتها. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت