ان من يطالع الكتب والاصدارات العالمية التي تناولت هزيمة يونيو 1967, وما سبقها وماتلاها من احداث حتى اليوم سيزداد يقينا يوما بعد يوم بأن القوى الصهيونية العالمية المتغلفة في دوائر صنع القرارات السياسية على مستوى العالم وفي دوائره الاقليمية, والمسيطرة على مؤسسات السياسة والاعلام والمال, اصبحت تملك من القوى والنفوذ مايجعلها تهيمن على مقدرات شعوب العالم, وتلعب بزعمائه وتحركهم وكأنهم احجار على رقعة شطرنج, كما يثبت ذلك ويؤكده (الادميرال ويليام جاي كار) رئيس مخابرات البحرية الكندية الاسبق في كتابه القيم (احجار على رقعة شطرنج) والذي كشف فيه عن ان كل ما عاناه العالم في تاريخه الوسيط والحديث من ويلات الحروب والثورات والانتفاضات كان بفعل (مجمع حكماء صهيوني) وعملائهم المنتشرين على كل المسرح العالمي, وهو مايصدق فيه قوله تعالى: (وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا) فهل هناك حدود لهذا العلو الكبير الذي اطلقه المولى عز وجل؟ الا ان الحق تبارك وتعالى ينبئنا ويبشرنا بأن هذا العلو الكبير له حتما نهاية وخيمة عليهم. قال تعالى: (فاذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه اول مرة وليتبروا ماعلوا تتبيرا) ابعاد المؤامرة لم يكن توريط مصر في حرب 1967 ومعها باقي الامة العربية وليد تخطيط القوى الخفية المسيطرة على العالم في عام 1967, بل سبق ذلك بخمس سنوات على الاقل حين بدأ توريط مصر في حرب اليمن عام 1962 وربما ابعد من ذلك في فترة ما بعد حرب السويس 1956 والتي عرفت بالعدوان الثلاثي على مصر, والذي اشتركت فيه كل من بريطانيا وفرنسا واسرائيل ثم انسحبت الاخيرة من سيناء, واحتفظت لنفسها بحق المرور في مضايق تيران في خليج العقبة, وما اعقب ذلك من مد قومي في المنطقة العربية كانت اولى ثماره الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958 وهو مالم تستطع اسرائيل والقوى العالمية معها تحمل وطأته لانها تذكرهم بنتائج وحدة مصر وسوريا في القرن الثاني عشر والتي كانت تحت راية صلاح الدين وامكنها القضاء على الوجود الصليبي في المشرق العربي, لذلك سعت تلك القوى الى تخريب هذه الوحدة بأساليها وطرقها التحتية حتى امكن لها ان تقوضها في عام 1959 بالانفصال بين الدولتين ولكي تستغل اطراف المؤامرة هذا النجاح سارعت بعد ثلاث سنوات في 1962 بتوريط مصر في حرب اليمن العقيمة, وعندما اكتشفت القيادة السياسية في مصر المتمثلة في شخص عبدالناصر حجم التورط التي انساقت اليه في المستنقع اليمني سارعت بالتخلص منه واعادة قواتها الى مصر بموجب اتفاق جدة 1967 حتى كانت المرحلة الجديدة وليست الاخيرة من المؤامرة جاهزة بدس معلومات مزيفة على عبدالناصر من قبل حليفه انذاك الاتحاد السوفييتي السابق, توحي بوجود حشود اسرائيلية على سوريا, وان اسرائيل تنوي الهجوم عليها, مما يتطلب سرعة التدخل المصري لنجدة سوريا, فكان ان اعلن عبدالناصر التعبئة في 14 مايو 1967 وتحريك القوات المصرية الى سيناء في مظاهرة عسكرية ضخمة, واعقب ذلك بقرارين خطيرين الاول طلب سحب القوات الدولية من سيناء وقطاع غزة, وهو ما استجابت له الامم المتحدة على الفور, والثاني اغلاق مضايق تيران في وجه الملاحة البحرية الاسرائيلية, وبذلك اصبحت القوات المصرية وجها لوجه امام القوات الاسرائيلية في قطاع غزة وسيناء, واعتبرت القيادة الاسرائيلية ان قرارات عبدالناصر هذه بمثابة اعلان للحرب على اسرائيل. اعداد اسرائيل المسبق للحرب لقد ادركت القيادات السياسية والعسكرية في اسرائيل ان احتلالها لسيناء في حرب السويس في عام 1956 لم يكن راجعا الى قدرتها العسكرية, ولكن بفضل القوات البريطانية والفرنسية التي شاركتها في العدوان على مصر, لاسيما القوات الجوية البريطانية والفرنسية التي هاجمت المطارات المصرية وساندت اعمال قتال القوات البرية الاسرائيلية في سيناء ولولاها لما نجحت في اختراق موقع دفاعي مصري واحد في سيناء والدليل على ذلك انه لما تأخرت هذه المساندة الجوية فشلت القوات الاسرائيلية في اقتحام موقع ابو عجيلة, في وسط سيناء رغم شدة هجومها عليه, وكذلك الموقع الدفاعي عن مدينة رفح بشمال سيناء لمدة خمسة ايام حتى اضطر موشى ديان رئيس الاركان الاسرائيلي انذاك ان يغير الضابط الاسرائيلي ويشرف بنفسه على الهجوم, ولم تنجح القوات الاسرائيلية في دخول هذه المواقع الا بعد انسحاب القوات المصرية منه تنفيذا لقرار الانسحاب الذي اتخذ للدفاع عن القناة بعد نزول القوات البريطانية والفرنسية في بورسعيد. ومما يؤكد ان اسرائيل كانت تنوي منذ بداية الستينيات شن الحرب على مصر, ما عبر عنه (موردخاي هود) قائد السلاح الجوي الاسرائيلي انذاك عندما قال في اعقاب معارك يونيو 1967 ان الفضل يعود الى سلفه قائد الطيران السابق الجنرال عايزرا وايزمان رئيس اسرائيل الحالي اذ بدأ الاستعداد للهجوم الجوي المركز بعد ان حرمنا من ثمار نصر عام 1956 واضاف هود قائلا: ان عايزرا بدأ من سنة 1957 في تدريب الطيارين على توجيه ضربة جوية مركزة ضد مطارات العدو معنى ذلك ان اسرائيل استعدت لعدوان 1967 منذ عام 1957 ولكن هل كانت ستحارب فعلا في 1967 تقول كل الادلة نعم, وان اسرائيل كانت تنوي الهجوم على مصر بغض النظر عما حدث من تعبئة عامة للجيش المصري في مايو من نفس العام, فذلك كان ذريعة استغلتها اسرائيل لتصعيد الموقف ثم شن هجومها المدبر سلفا, وهو ما كشف عنه عضو الكنيست (موشي جليوا) في مؤتمره الصحفي يوم 15 مايو 1969 حين قال : ان ديان واسحق رابين بالغا بشك كبير في التقارير الخاصة عن حجم القوات المصرية والعربية قبل 5 يونيو 1967 وذلك لاقتناع الوزراء المعتدلين بأن اسرائيل ينبغي ان توجه الضربة الاولى وكان يؤيدها في ذلك اهارون ياريف رئيس المخابرات العسكرية. ومن واقع الوثائق الاسرائيلية التي كشف عنها بعد ذلك ان القيادة الاسرائيلية سنة 1957 اجرت تعديلات في نظام التجنيد وفي برامج تدريب الاحتياط لاعداد خمس دفعات احتياط بدلا من اربعة فقط, وذلك وفق تخطيط يسمح بوصول الجيش الاسرائيلي الى حجم في القوة البشرية يحقق له التفوق الكمي ـ بالاضافة للتفوق النوعي الذي وفرته الاسلحة والمعدات الامريكية المتطورة ـ على الجيش المصري. ومما يدل على ان عدوان 1967 كان مخططا له مسبقا في اطار المنظومة الاستراتيجية الاسرائيلية في عقد الستينيات وتحقيقا لغاياتها واهدافها القومية, ما ذكره مناحيم بيجين رئيس وزراء اسرائيل في السبعينيات وذلك في المؤتمر الصهيوني العالمي الخامس والعشرين حين قال: ان مساحة اسرائيل حاليا لاتتجاوز خمس مساحة الاراضي الاسرائيلية في دولة اسرائيل الكبرى, وان على اليهود ان يعملوا للاستيلاء على هذه الاربعة الاخماس وهي الضفة الغربية للاردن وقطاع غزة والاردن بأكمله وشبه جزيرة سيناء, وبعض مناطق من البلاد العربية المجاورة لاسرائيل. التمهيد للعدوان بتتبع احداث النصف الاول من عام 1967 قبل العدوان سندرك ان القيادة الاسرائيلية وصلت بالفعل الى موقف يسمح لها بتنفيذ قرار وخطة الهجوم على سيناء, ومن ثم بدأت تمهد له. 1 ـ ففي 16 فبرير 1967 سافر ابا ايبان وزير خارجيته اسرائل الى لندن كما قال للبحث في مسألة الحدود الاسرائيلية بعد انسحاب بريطانيا من عدن, وزيارة رئيس الوزراء السوفييتي كوسجين الى لندن ولاندري ماهي العلاقة بين الحدود الاسرائيلية وبين الانسحاب البريطاني من عدن؟ 2 ـ وفي 7 ابريل 1967 وجهت اسرائيل هجمة جوية الى سوريا, واسقطت عددا من طائراتها الميج وكان ذلك بمثابة اختبار لخطة الضربة الجوية الشاملة والقادمة في 5 يونيو 67 وكانت الموساد قد نجحت في هذه الفترة في تجنيد الطيار العراقي (منير روفا) الذي هرب بطائرته ميج ـ 21 الى اسرائيل, واستخدمتها في تحديد نقاط القوة والضعف في المقاتلات الميج. 3 ـ وفي 19 ابريل 1967 صرح بن جوريون (ان مستقبل اسرائيل اصبح غير مضمون) . 4 ـ وفي 10 مايو 1967 اتهم ابا ايبان سوريا (باراقة دم الاسرائيليين) واضاف ان حكومته ستتصرف بمثل مايجب على كل حكومة مدركة لمسئولياتها ازاء مواطنيها. 5 ـ وفي 12 مايو 1967 صرح اسحق رابين رئيس الاركان الاسرائيلي آنذاك (اننا سنشن هجوما خاطفا على سوريا وسنحتل دمشق لنسقط الحكم فيها) . وهكذا استدرجت اسرائيل عبدالناصر الى الفخ الذي اعد له بعناية, وذلك باثارته تجاه عدوان مزعوم على سوريا, لاسيما وانها تدرك مدى حساسية سوريا بالنسبة لعبدالناصر منذ زمن الوحدة المصرية السورية فكان ان اعلن عبدالناصر في 14 مايو 67 التعبئة الشاملة ورفع درجة تأهب القوات المسلحة كما حركت معظم فرق الجيش المصري الى سيناء بهدف تخفيف الضغط الاسرائيلي على سوريا, في حين كانت اسرائيل تعد قواتها لهجوم وشيك على مصر في سيناء. التواطؤ الامريكي الاسرائيلي تشير كل الشواهد الى ان واشنطن وتل ابيب خططتا ببراعة لهذا العدوان عبر القنوات السرية بين المخابرات المركزية الامريكية وجهاز الموساد الاسرائيلي, وان الرئيس الامريكي الاسبق جونسون قد بارك هذا العدوان بل وشجع عليه وهو ما كشف عنه كتاب (حرب الايام الستة) الذي اعده السفير الامريكي السابق ريتشارد باركر حيث يوضح ان المعلومات المضللة التي اعطاها السوفييت لعبد الناصر عن حشود اسرائيلية مزعومة على حدود سوريا كانت بهدف تحجيمه ليكون اكثر اعتمادا عليهم في سياسته في المنطقة, وانهم كانوا يريدون ـ اي السوفييت ـ تعقيد الدور الامريكي في المنطقة وزحزحة اهتمامهم من منطقة شرق اسيا ـ فيتنام ـ الى ناحية الشرق الاوسط. ولعل تحديد بعض الاحداث التي وقعت في الاسابيع الاخيرة قبل 5 يونيو 67 يعطي مؤشرات لما جرى من اتصالات سرية ووثيقة مابين اسرائيل والولايات المتحدة على اعلى المستويات. أ ـ في 26 مايو 1967 سافر ابا ايبان وزير خارجية اسرائيل الى واشنطن وقابل الرئيس جونسون لمعرفة مدى استعداد الولايات المتحدة لمساندة اسرائيل اذا قررت الاخيرة استخدام القوة من اجل اعادة فتح مضيق تيران, تشير الوثائق الاسرائيلية عن هذا اللقاء الى قول الرئيس جونسون (تستطيع ابلاغ مجلس الوزراء الاسرائيلي ان الرئيس الامريكي والكونجرس والدولة يساندون الخطة لاستعمال اي وسيلة او كل الوسائل لفتح المضيق من جديد امام الملاحة الدولية وان اسرائيل لن تكون وحدها اذا قررت ذلك) كما نقل عن ايبان قوله: (ان الانتماء الوطني ليس التزاما دوليا) . ب ـ وفي 30 مايو 1967 سافر (مائير عمير) رئيس الموساد الى واشنطن في زيارة استمرت حتى يوم 2 يونيو, حيث قابل عددا من المسئولين الامريكيين, وانه تلقى منهم الضوء الاخضر لشن الهجوم على مصر لاسيما في وزارة الدفاع وفي المخابرات المركزية الامريكية فقد سأله وزير الدفاع الامريكي روبرت ماكنمارا اذا دخلتم الحرب فكم من الوقت ستستغرق هذه الحرب؟ فأجاب عمير: سبعة ايام, وعندما سأله: كم عدد الضحايا؟ اجاب عمير بدبلوماسية اقل من ضحايا عام 1948 (وكان عدد ضحايا اسرائيل في حرب 1948 حوالي 600 قتيل) وخلال لقاء عمير مع ماكنمارا وصلت الى الاخير برقية من تل ابيب تفيد بتولي موشي دايان وزارة الدفاع في اسرائيل وخلال هذا اللقاء الذي استمر 40 دقيقة اوضح رئيس الموساد انهم كان لديهم الوقت الكافي للاستعداد للهجوم. ج ـ ومن الغريب ان نعرف ان الرئيس الامريكي جونسون اختفى من واشنطن لمدة اربعة ايام من 27 و 30 مايو. وقد جرت عملية خداع سياسي خطيرة ساهمت فيها كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وذلك عندما جرى عن عمد ابلاغ السوفييت بنص رسالة جونسون الى اشكول رئيس وزراء اسرائيل, لكي يتولي السوفييت تبليغها الى عبدالناصر لزيادة تضليله, فقد كانت هذه الرسالة تحوي فقرة بالغة الاهمية اسهمت في سرعة استدراج مصر الى الفخ المنصوب لها تحت وهم خاطىء بأن مضمون هذه الفقرة يعني امرين اولهما: ان الولايات المتحدة لن تساند اي عمل عسكري عدواني يمكن ان تقوم به اسرائيل ضد مصر ردا على الخطوة المصرية المفاجئة لسحب قوات الطوارىء الدولية من سيناء, وبما يعني ان ملف الازمة يمكن ان يبقى مفتوحا لفترة طويلة تتمكن خلالها الدبلوماسية الامريكية من احتواء الازمة ومنع نشوب الحرب, واما الامر الثاني فهو ان الولايات المتحدة لديها شك في قدرة اسرائيل على حسم هذا الصراع لصالحها بالوسائل العسكرية, وانها ـ اي واشنطن ـ تبرىء ذمتها مقدما من اية نتائج قد تترتب على المغامرة الاسرائيلية المحتملة ردا على (المقامرة) المصرية التي وقعت بالفعل, اما نص هذه الفقرة من خطاب جونسون الى اشكول, والتي تولى السوفييت تبليغها الى عبدالناصر فتقول (لاشك انك تدرك بأنه لايسعني ان اتحمل اية مسئوليات باسم الولايات المتحدة عن مواقف تنشأ نتيجة لاعمال لم نستشر فيها) وهكذا بلعت مصر الطعم الاول من الولايات المتحدة اما الطعم الثاني فكان في الزيارة التي قام بها روبرت اندرسون وزير الخزانة الامريكية مبعوثا عن الرئيس الامريكي جونسون الى عبدالناصر يبلغه حياد الولايات المتحدة في هذه الازمة ويطلب منه ضبط النفس واتاحة الفرصة للقوات الدبلوماسية ان تلعب دورها لفك هذه الازمة, وكان ان استجاب عبدالناصر لهذه الرغبة الامريكية, ووافق على ارسال نائبه زكريا محيي الدين الى واشنطن لتهدئة الاوضاع المتوترة, عند ذلك قرر الاسرائيليون اجهاض هذه المحاولة السلمية من جانب مصر, وذلك بالاسراع بشن الحرب صبيحة 5 يونيو. وبينما كان الموقف الامريكي السابق للحرب, كما اعلنه (دين راسك) وزير الخارجية الامريكية هو ان الولايات المتحدة ستحمل المسئولية من يبدأ بالحرب, فإن هذا الموقف تغير تماما بعد ان تأكد لواشنطن ان اسرائيل قد حققت نجاحا في هجومها يوم 5 يونيو حيث عمد الرئيس جونسون الى الادلاء بتصريحات اعلن فيها انه لا يشاطر راسك هذا الرأي وبقي الرئيس الفرنسي شارل ديجول هو الزعيم الوحيد في العالم الذي استمسك بكلمته في هذا المجال وحدد سياسة فرنسا على اساسها. ولقد ساهمت موسكو في دفع مصر لابتلاع الطعم المسموم, فعندما ارسل عبدالناصر وزير دفاعه شمس بدران الى موسكو لاستطلاع موقفها اذا ما تطورت الامور واندلعت الحرب, وطلبا لبعض المعدات العسكرية المسلحة, عاد بدران ليبلغ عبدالناصر بوعود سوفييتية بالمساندة العسكرية السياسية مبالغ فيها وهو ماثبت عدم صحته عندما نشبت الحرب.