المستفيد الأول من الحرب الأهلية الدائرة في أنغولا لمدى عقود متصلة يتمثل في شركة (دى بيرز) التي تملكها مجموعة من الرأسماليين البيض في جنوب افريقيا وتتخصص في تجارة المعادن النفيسة.. والمستفيد الثاني مباشرة هو شركات انتاج الأسلحة في الولايات المتحدة. (دى بيرز)، تشترى بأسعار رخيصة الألماس الذي ينتج في المنطقة التي تسيطر عليها قوات (يونيتا) المتمردة.. والشركات الامريكية تستفيد من صفقات بيع السلاح الى كل من قوات الحكومة والقوات المتمردة. وربما يكون جوهانيس زعيم التمرد في أنغولا مثالا صارخا للمثقف الافريقي الذي يضع نفسه تحت خدمة رأس المال الاجنبي.. لكنه مثال على كل حال يشرح لنا كيف تعمل قوى الاستعمار الحديث في استغلال موارد الدول الافريقية بوسائل من بينها اشعال حروب او المساعدة في استمرار حروب. الاستعمار الاوروبي القديم في افريقيا كان يتخذ شكل سيطرة مباشرة ومكشوفة على الحكم لادارة البلد المستعمر (بفتح الميم الثانية) من منظور شراكة اقتصادية يستفيد منها الطرفان. ولهذا كان هناك تقدم اقتصادي واجتماعي, رغم انه كان بطيء الخطى. اما الاستعمار الامريكي الجديد فهو علاقة استغلالية من طرف واحد غير مرئية لغير الخبير الاختصاصي. وفي اطار هذه العلاقة تعمل شركات عملاقة في نهب موارد الاقتصاد الوطني لدولة افريقية بطريقة منظمة وبمساعدة مؤسسات مالية ومصرفية امريكية ذات طابع دولي.. مثل صندوق النقد الدولي. ومن ابرز وأهم الوسائل المستخدمة في هذا النهج الاستغلالي ما يلي: * وضع اليد على مؤسسات انتاجية وتجارية وخدمية جاهزة عن طريق شرائها من الدولة بأثمان بخسة.. مما يعرف ببرامج الخصخصة. * حمل الحكومة على خفض اسعار صرف العملة الوطنية لتكون صادرات الدولة الى السوق الخارجية معروضة بأسعار أدنى وتشترى الدولة وارداتها بأسعار أعلى. * توريط الدولة في مديونية خارجية طويلة المدى بهدف افلاسها مما يضطرها الى الخصخصة لاستخدام مردود المؤسسات الحكومية المباعة في مواصلة سداد الديون. * حمل الدولة على الغاء قيود عن حركة رؤوس الأموال بما يتيح للشركات الاجنبية تهريب الاموال من السوق المحلية الى الخارج دون عائق. ومن الواضح ان الشركات الامريكية ومن ورائها القوة الدبلوماسية للولايات المتحدة لن يكون بامكانها تطبيق هذه الوسائل والشروط وبالتالي ممارسة النهب المنظم للموارد الا بتعاون من الطقم الحاكم في كل دولة افريقية. هنا نأتي الى بيت القصيد, فعملية افقار البلدان الافريقية وشعوبها هي في الحقيقة عملية تواطؤ, طرفاها اصحاب رأس المال الامريكي والنخب الافريقية الحاكمة. ولذا ليس من الانصاف او الدقة اعتبار محنة افريقيا الراهنة تدبيرا خارجيا صرفا. طاقم السلطة في اية دولة افريقية هو المجرم الأول.. وهي جريمة ليست بلا مكافأة. ففي مقابل ان تقوم السلطة بسن التشريعات اللازمة وتقديم التسهيلات الضرورية للشركات الامريكية والمؤسسات المالية والمصرفية (الدولية) يقبض رئيس الدولة وأقرباؤه ووزراؤه ومستشاروه ثمن الخدمة. وعادة يكون الثمن حسابا مصرفيا سمينا في بنوك خارجية بالنقد الاجنبي. هكذا تتصرف النخب المثقفة الافريقية تجاه اوطانها وشعوبها. وأسوأ من ذلك ان النخب الحاكمة على استعداد لشن حروب داخلية او خارجية من اجل خلق سوق محلية جديدة لتجارة السلاح لصالح شركات غربية. وهكذا تبدد موارد افريقيا بصورة مستديمة لترث شعوبها محنة الفقر والحرب المزدوجة. ولن يكتب لهذه الشعوب خلاص الا اذا نهضت لتحدد موقفا حاسما تجاه نخبها المثقفة.