ظاهريا.. يبدو كأن تجدد الحرب بين ثيوبيا واريتريا مفاجأة غير متوقعة, خاصة بعد سريان وقف اطلاق النار بين الجانبين فترة من الوقت, إيذانا بالتفاوض حول سبل حل النزاع الحدودي الموروث سلميا بديلا عن الخيار العسكري, لكن الحقيقة أن المفاجأة لم تكن مفاجأة بالمرة, إذ كانت متوقعة سلفا, وحتما, ومن جانب اثيوبيا تحديدا, أولا لكونها المغلوبة عل أمرها في الجولة الاولى من الحرب, بالنظر إلى احتلال أو تمدد القوات الاريترية في اراضيها أو أراضي محل تنازع السيادة عليها بين البلدين, وثانيا أن الشخصية الاثيوبية عنيدة بطبعها ومقاتلة وتأبى الانكسار والهزيمة, ولا مفر إذن من التحشد وأهبة الاستعداد لخوض جولة أو أكثر من الصراع المسلح مع اريتريا, والرهان على كسب الحرب واسترداد الارض السليبة مهما كانت التضحيات جسيمة, فإلى جانب كونها وسيلة لهدف وطني تجتمع حوله إرادات مختلف الكيانات العرقية والقومية التي تضمها اثيوبيا, إلا أنها تمثل في نفس السياق رد اعتبار للسلطة الحاكمة في أديس أبابا ممثلة في التجراي, الذين يطاردهم الاتهام بالتفريط في الوحدة الاثيوبية لصالح النخبة الحاكمة الاريترية التي تنتمي بشكل أو بآخر إلى التجراي أيضا! والشاهد أنه لولا التحالف العرقي بين التجراي والذي جسده التحالف السياسي بين الجبهة الشعبية الاريترية بزعامة أسياسي أفورقي والحركة الشعبية الديمقراطية الاثيوبية بزعامة ملس زيناوي, لما انهار نظام الرئيس منجستو هيلاماريام رغم قوته العسكرية التي راوحت نصف مليون جندي, وقبضته الحديدية المعروفة آنذاك بـ (الدرك) الذين أزاحوا الامبراطور هيلاسلاسي ونظامه من سدة الحكم, ومن هنا رجح المراقبون أن يدوم التحالف بين النظامين الجديدين في أسمرة وأديس أبابا, بالنظر إلى المقدمات المتفائلة التي اسفرت عن عملية استقلال اريتريا عن اثيوبيا بشكل سلمي هادئ, وموافقة اريتريا على منح اثيوبيا - التي تفتقر إلى منفذ بحري - تسهيلات اقتصادية خاصة بالتصدير والاستيراد عبر موانيها المطلة على البحر الاحمر. لكن حدث في السادس من مايو 1998 ما لم يكن في حسبان أحد, إذ بينما كان وفدان من البلدين يضمها اجتماع في أحد فنادق أديس أبابا للتداول حول ترسيم الحدود المشتركة, إذا بالوفد الاريتري يغادر خلسة إلى أسمرة, في الوقت الذي بدأت فيه جحافل القوات الاريترية عملية اجتياح واسعة النطاق للاراضي الاثيوبية أ و الاراضي التي تدعي حقوقا للسيادة عليها, ومن ثم تفاقم الموقف سريعا إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية وتبادل طرد الرعايا, وسقوط آلاف القتلى والجرحى, ودمار العمران والبنية التحتية, فضلا عن مآسي اللاجئين المدنيين الفارين من ويلات قصف المدفعية والطائرات هنا وهناك, وكما هي العادة في مثل هذه النزاعات الدامية بادرت منظمة الوحدة الافريقية ودول أخرى عديدة لاقناع الدولتين بوقف إطلاق النار والعودة إلى حدود ما قبل اندلاع القتال, لكن اريتريا في نشوة الانتصار رفضت الاستجابة وراحت تتوغل تباعا في عمق الاراضي الاثيوبية, ومن هنا ثار السؤال عن القوى الاقليمية والدولية التي تساند أفورقي بينما يتطاول على امريكا التي يدور في فلك استراتيجيتها الافريقية, ويرفض الاستجابة لرغبتها في التهدئة, الامر الذي عزز من مكسب اثيوبيا الجولة الاولى للصراع ديبلوماسيا واعلاميا, عبر نجاحها في اقناع الرأي العام الدولي بالعدوان الاريتري ورغبتها في حل النزاع سلميا! الآن تغيرت المعادلة بعد عامين رأسا على عقب, فها هي اثيوبيا تستعيد تفوق قواتها المسلحة بشريا ولوجستيا وتدهم اريتريا في عقر دارها, حتى لم يعد يفصلها عن أسمرة سوى 70 كيلو مترا بعد قصف مطارها الدولي, ثم ترفض وقف اطلاق النار قبل انسحاب القوات الاريترية لحدود ما قبل السادس من مايو ,1998 والتهديد بسحقها حتى لا تقوم لها من بعد قائمة للاعتداء على اثيوبيا وأي من دول الجوار التي عانت من ويلات استعلاء أفورقي سواء في علاقته مع الافارقة وبينهم جيبوتي التي قطعت علاقاتها مع اريتريا, وسواء إزاء تنكره لجميل العرب الذين لم يبخلوا على الثورة الارتيرية بالدعم والمساعدة وخاصة السودان, وكذا اليمن التي كافأها باحتلال جزيرة حنيش الكبرى, وتهديده للامن القومي العربي عبر استقوائه باسرائيل التي يحج إليها من وقت لآخر بدعوى العلاج من آثار الحمى الدماغية, وتمكينها من مراقبة البحرية العربية في البحر الاحمر من جزيرة (دهلك) , وما تردد مؤخرا عن اختيارها مرسى للغواصات الاسرائيلية التي جلبتها من ألمانيا مؤخرا, وتجهيزها بصواريخ متوسطة المدى يمكن تحميلها وقت اللزوم برؤوس نووية, فهل ياترى وعى أفورقي الدرس وهو يلتفت الآن يمينا ويسارا فلا يجد صديقا واحدا يؤازره, بعد أن بدد امكانيات اريتريا شديدة التواضع في المماحكات العسكرية العبثية, التي اعادت الشعب الاريتري المسكين إلى سابق عهده بحكم هيلاسلاسي أو حكم منجستو بالنظر لما يعانيه اليوم من ويلات الفقر والقهر والمجاعات والنزوح الجماعي والشتات؟! فهذا البلد الصغير (زهاء ثلاثة ونصف مليون نسمة) الذي انهكته حرب التحرير على مدى 30 عاما متصلة, ليبدأ مشوار مرحلة الاستقلال وبناء الدولة من الصفر, ليس لديه موارد ذاتية يعتد بها ولا ينال من المعونات الخارجية سوى الفتات, ومع ذلك ظل يحتفظ بقوات عسكرية ضخمة تربو على 120 ألف مقاتل يشكلون عبئا ثقيلا على كاهل الدخل القومي المحدود, بينما كان المأمول تخفيض هذا العدد الضخم لصالح الوفاء بالتمويل اللازم لخطط التنمية وتعويض الشعب الذي طال به الحرمان من ابسط الاحتياجات المعيشية الضرورية, إلى الحد الذي وصل متوسطه العمري 48 عاما بسبب الفقر وسوء التغذية والامراض, في الوقت الذي يرعى كل 41 ألف مواطن طبيب واحد, ومعظم المرضى يموتون قبل أن ينالوا العلاج اللازم, والادهى والامر أن يغض اسياسي أفورقي النظر عن هذه الحقائق الموضوعية, ويسعى إلى القيام بأدوار سياسية وعسكرية تفوق امكانات وموارد اريتريا, ولا تجلب بسبب استفزازها للجميع سوى الضغائن والعدوات بديلا عن التعاون والمساعدات والتسامح والاخاء, وليس معنى ذلك أن تفرط اريتريا في حقوق مشروعة أو اراض سليبة, الاختلاف فقط حول الاساليب والامكانات والتوقيت المناسب والاولويات الوطنية, ورحم الله كل من يعرف قدر نفسه وأقدار الآخرين وحقوقهم ومراعاة ظروفهم في المقابل, وعلينا في النهاية انتظار ما سوف تسفر عنه وساطة الجزائر باعتبارها رئيسة الدورة الحالية لمنظمة الوحدة الافريقية, فهل تنجح في تسوية الخلاف في ظل ما طرأ على موازين القوة بين الدولتين من تغير لصالح اثيوبيا, بينما السؤال الأكثر صعوبة يكمن في مدى امكانية التعايش بين الشعبين من الآن فصاعدا وسد الذرائع التي تتولد عنها النزاعات مستقبلا؟!