على الرغم من امكانات التمويل والتسليح الضاغطة, والعلائق المتوترة والتنسيق المفتقد مع القوى العربية في الميدان, فقد خاضت قوات الجهاد المقدس معارك كثيرة مشرفة قبل 15 مايو 1948 وبعده. معارك ألحقت خسائر جسيمة بالجانب الصهيوني. وعلى نهايتها المأساوية, لاتمثل معركة (القسطل) استنثاء من هذا الجهد العسكري.من هذه المعارك, معركتا (بربرة) الأولى والثانية في مارس وابريل ,1948 ومعركة (جولس) في 12 ابريل 1948. ومعركة (جبل سكوبس) بالقدس التي انتقمت فيها قوات الجهاد المقدس لاستشهاد زعيمها عبدالقادر الحسيني, وذلك بهجوم قوي قاده الشهيد حسن سلامة ضد قافلة يهودية, أسفر يوم 13/4/1948 عن مصرع نحو 40 شخصية يهودية بارزة في القافلة التي كانت تنقل مؤنا وذخائر لأحياء اليهودية بالقدس. وأظهرت الجهاد المقدس قدرات كبيرة في معارك قطاع القدس عموما وكذا في التصدي للقوافل العسكرية الصهيونية على خطوط المواصلات, والرد على حملات التدمير اليهودية ضد المراكز العربية. وكان لفصائل التدمير في الجهاد المقدس باع طويل في النشاط العسكري. فقد رد رجالها على الأعمال الارهابية الصهيونية بعمليات جريئة وفعالة. كان من جرائها تدمير عدد من الأهداف الصهيونية المهمة, لاسيما في القدس, كبناية جريدة (بالستين بوش) ومقر صحيفتي (علهمشمار) و(هامشكيفها) , وسحق شارع (يهودا) أكبر الشوارع اليهودية في المدينة. كما فجروا أهدافا أخرى في تل أبيب وحيفا ويافا. وطبقا لشهادة أمين الحسيني, كانت هذه الأعمال ضمن مخطط وضعته قيادة الجهاد المقدس, بمعاونة ضباط سوريين وعراقيين ومصريين, احتوى على أكثر من 3600 هدف صهيوني في فلسطين. وتضمن خرائط تفصيلية وما يحتاج اليه من رجال وأسلحة ونفقات. والواقع, أن هناك اتفاقا ملحوظا بين المصادر الصهيونية والعربية على أن الشهور الأولى عقب قرار التقسيم, شهدت أرجحية ميدانية للجانب الفلسطيني. رغم أن معظم هذه المصادر لاتشير الى أن العسكرية الفلسطينية هي التي تولت عبء النضال في هذه الفترة. يذكر محمد عزة دروزة أن (المئة يوم الأولى بعد صدور قرار تقسيم فلسطين, كانت عسكريا في صالح العرب. فقد سيطروا على زمام المبادرة وتمكنوا من اشعار الجميع بالقلق. حتى صارت بعض الصحف تتحدث عن وأد العرب لقرار التقسيم, وبعض الأوساط اليهودية للجنوح للتعاون مع العرب, باعتبار أن مستقبلهم ومستقبل فلسطين مرهون بذلك, وإلا أضاعوا كل ما جنوه) . أما الرواية الاسرائيلية للحرب فقد أوردت أنه (في المرحلة الأولى من الحرب - أي قبل دخول الجيوش العربية - تحملت القوات المحلية (الجهاد المقدس) العبء الأساسي في القتال ضد اليهود. وقد استمر هذا النشاط قوات يهودية كبيرة في جبهات تل أبيب وحيفا. وأوقع ضرب وسائط النقل اليهودية مناطق كاملة في ضائقة كبيرة وخصوصا في القدس) . وتمضي هذه الرواية الى أن (تلك المرحلة الأولى شهدت تفوقا عربيا كبيرا على (الييشوف العبري) من حيث الوضع الجغرافي العسكري. وكانت معنويات العرب مرتفعة, فيما كان (الييشوف) محاصرا عمليا وعدد ضحاياه كبيرا) تنوه الرواية الاسرائيلية بقائدي الجهاد المقدس عبدالقادر الحسيني وحسن سلامة, بصفتهما قاتلا في الصفوف الأمامية لجنودهما. وترى أنه (بموتهما انقصم ظهر المقاومة العربية المحلية, وفقدت العامل الأكثر أهمية: القيادة) . هناك شهادات أخرى تثني على اداء الجهاد المقدس, بعضها من قيادة القوات المصرية في حرب فلسطين, والآخر من بعض قيادات القوات البريطانية في فلسطين منذ عام 1936. على أن حرب 1948-1949 انتهت بهزيمة الجيوش العربية جميعها. وفي هذا السياق, يصعب في التحليل الأخير, تحديد حجم مسئولية العسكرية الفلسطينية في هذه الهزيمة. ذلك على الأقل بحكم وجود فرقاء عرب آخرين شاركوا في مسار الحرب بعد 15/5/,1948 وكذا بحكم ما أشرنا اليه من ضعف توثيق دور هذه العسكرية لتلك المرحلة. ومع ذلك, فانه لاريب في أن جيش الجهاد المقدس افتقر موضوعيا الى خصائص, كان من شأنها التأثير سلبيا على ادائه.. من ذلك مثلا: أن القيادة العامة لجيش الجهاد وضعت مخططها الدفاعي والهجومي, وفق أسس تتعلق بالمهام العسكرية الكبيرة, بينما كانت امكانات قواتها ضئيلة اذا استثنينا الجوانب المعنوية والروح الجهادية التي سيطرت عليها وحفزتها والالتفاف الجماهيري الوطني حولها. لقد افتقدت هذه القوات للسلاح المتطور المناسب ولوسائل الاتصال السلكية واللاسلكية التي تضمن تدفق التواصل بين الوحدات, وكذا لوسائل النقل اللازمة لتسهيل الحركة وسرعة نجدة المناطق المعرضة لهجوم العدو في وقت ملائم. عانى جيش الجهاد من الافتقار لأساليب التجنيد والتعبئة المنتظمة التي عرفتها القوات الصهيونية. فمقاتلو الجهاد كانوا في جلهم من المتطوعين الذين ينتمون لطبقات اجتماعية متفاوتة. وكان قادتهم من ثوار الانتفاضات القديمة الذين يصلحون للحرب الفدائية بأكثر من صلاحيتهم للحرب النظامية المكشوفة التي سادت حرب 1948. خضع الجهاد المقدس لقيادة سياسية عليا (الحاج أمين الحسيني) كانت غائبة عن البلاد منذ عام 1937 مما أفقدها المعرفة الوثيقة بالتطورات الميدانية وجاء هذا النقص معطوفا على خلافات بل وكراهية بين قائد الجهاد وحاشية الزعيم أمين الحسيني. فقد كان عبدالقادر ممتعضا من المحيطين بالحاج أمين الذين لم يسهلوا مهمته ولا قدموا له يد العون بحسب رؤيته الميدانية. علاوة على ذلك كله, فقد عمل جيش الجهاد في ظل نقيصة كبرى في ميدان القتال, هي التباغض وانعدم التنسيق الجدي مع قوتين عربيتين. جيش الانقاذ بقيادة فوزي القاوقجي من جهة, والجيش الأردني بقيادة جلوب باشا ومن ورائه الملك عبدالله من جهة أخرى. فالقاوقجي كان ينافس عبدالقادر على الزعامة الميدانية وقد تم تعيينه رغما عن ارادة القيادة الفلسطينية عموما, والملك عبدالله كان ينافس الحاج أمين الحسيني على زعامة فلسطين وله مشروعه السياسي المختلف. وهو أعلن حل الهيئة العربية العليا وجيش الجهاد المقدس, بمجرد دخول قواته ساحة المعركة في 15 مايو 1948. كاتب فلسطيني مقيم في القاهرة