من المسئول عن محنة شعوب افريقيا جنوب الصحراء المتمثلة في ويلات الفقر والحرب؟ كبار المثقفين الافارقة منقسمون حيال هذا السؤال الكبير: قسم يرد أسباب المحنة الى الميراث الاستعماري الاوروبي القديم.. والقسم الاخر يوجه اصبع الاتهام الى الاستعمار الامريكي، في شكله الحديث المتمثل في الشركات العالمية (متعددة) الجنسية. ورغم ان الاجابتين ليستا خاطئتين الا ان ما يتحاشاه المثقفون الافارقة بمختلف توجهاتهم الايديولوجية والسياسية وعلى اختلاف شرائحهم الطبقية هو الاقرار بمسئولية النخب المثقفة الافريقية نفسها عما جرى ويجري لشعوبهم في اعقاب الاستقلال الوطني في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. في كل دولة افريقية ورثت النخبة المثقفة اجهزة الحكم التي تولت قيادة البلاد لتحل مكان كبار الاداريين الاوروبيين من الانجليز او الفرنسيين في غالبية البلدان الافريقية. وعلى هذا الاساس جرى توطين الوظائف المفتاحية في الخدمة المدنية مع تولي السياسيين من رؤساء ووزراء مواقع الحكم القيادية. وبالمقارنة مع الحكم الاستعماري الاوروبي فان سجل الحكم الوطني لمدى العقود اللاحقة حتى اليوم في كافة القطاعات الحيوية, اقتصادية كانت ام ثقافية ام سياسية ام تربوية, عبارة عن خط بياني ذي اتجاه هبوطي مستديم. وكانت النتائج ولاتزال تراجعا في كل شيء وأي شيء, من مستويات المعيشة اليومية الى خدمات الصحة والتعليم الى درجة الانهيار الكامل. عند هذا المنعطف نطرح سؤالا: هل معنى ذلك اعفاء القوى الخارجية سواء كانت ممثلة في الاستعمار الاوروبي العتيق او الاستعمار الامريكي الحديث من اية مسئولية عن محنة الشعوب الافريقية؟ ابادر على الفور الى القول بأن الاجابة هي بالنفي. وللانصاف والدقة يجب ان نقول ان المسئولية عن الجريمة الكبرى التي ارتكبت وترتكب بحق الشعوب الافريقية مسئولية مشتركة تتقاسمها النخبة الوطنية المحلية مع ميراث الادارة الاستعمارية الاوروبية في الماضي مع مؤسسات امريكية في الحاضر. على انه ليس من الانصاف تماما وصف دور الادارة الاستعمارية الاوروبية بأنه إجرامي. ان من المدهش ان الخطأ التاريخي الجسيم الذي ارتكبته الادارة الاوروبية هي ان فترة حكمها لم تكن طويلة بما يكفي. لقد قطعت الادارة البريطانية في بلدان شرق افريقيا والادارة الفرنسية في بلدان غرب القارة شوطا في تحديث مجتمعات تلك البلدان في اتجاه نقلة حضارية نوعية لنقلها من عصر حجري الى القرن العشرين, تمثل ذلك في إدخال نظام تعليمي حديث وانظمة ادارة حديثة وابتداع موارد جديدة للاقتصاد في اتجاه خلق اقتصاد نقدي وربطه بالسوق العالمية بالاضافة الى انشاء جهاز خدمة مدنية معاصر يتكون هرميا من كوادر وطنية, باستثناء المناصب القيادية العليا طبعا. ولو قيض للادارة الاوروبية ان تبقى لفترة أطول لوصلت البلدان الخاضعة للاستعمار الى مرحلة نضوج حضاري يؤهلها لتحمل المسئولية الوطنية الكبرى للاستقلال السياسي. وبالطبع نستثني من هذا الحكم حالات الاستعمار الاستيطاني كما تتمثل في الجنوب الافريقي. ولكن تبقى الحقيقة التاريخية المحورية وهي ان عمر المرحلة الاستعمارية الاوروبية في افريقيا بلغ في المتوسط نصف قرن. وعندما يتساءل بعض المهتمين بالشأن الافريقي لماذا استطاعت المستعمرات الاوروبية السابقة في قارة اسيا شق طريقها في التقدم الاقتصادي والاجتماعي بعد الاستقلال بالمقارنة مع المستعمرات الاوروبية في افريقيا.. فلأن عمر المرحلة الاستعمارية في آسيا اضعاف عمرها في افريقيا.. فقد بلغت مرحلة الاستعمار البريطاني في الهند مثلا نحوا من ثلاثة قرون ونصف القرن.