من بين كل السلوكيات المستفزة التي تصدر عن أناس نتعامل معهم يوميا أو نسمع بهم أو تأتينا أخبارهم عبر جلسات الأصدقاء وأحاديث الهاتف, تبقى الخيانة واستغلال المنصب من بين أبشع السلوكيات الإنسانية التي تخرج الإنسان من اطاره الأخلاقي لتزجه في هاوية لا قرار لها ولا مخرج منها. والخائن إنسان افتقد معالم إنسانيته بالتدريج حتى اعتاد على حالة الخيانة فما عاد يرى فيها خروجا على النص الأخلاقي, أو اعتداء على حقوق الآخرين بفضائحية قاتلة, انه يرتكب خيانته بدم بارد وكأنها حق أو طبع لا فكاك منه, ودائما الذي يخون يكذب والذي يكذب ينحرف والمنحرف مريض حتما. لكنه مريض يرى انه أكثر الناس عافية وان العالم حقل متاح له يعبث فيه كما يشاء. وعبثا يعتقد من يخون زوجته أو أصدقاءه مثلا انه من الذكاء والحذر بحيث لا يمكن لأحد أن يكتشف خياناته وكذبه المتواصل والتواءاته التي لا تنتهي, الخائن تحديدا له رائحة سيئة تفوح منه وتميزه وتترك أثرها في أي مكان وزمان يحل فيه. والغريب أن صاحب الخيانات يظل مصدقا نفسه, انه يمارس حقا من حقوقه لا يتعارض أبدا مع التزاماته الأخرى, وان بامكانه أن يكون مقبولا ومستساغا بين الناس, بينما يضحك الناس له علنا, لكنهم لا يحترمونه أبدا. وغريب حقا أن يُصرِّح (انطوان لحد) قائد ميليشيا الجيش اللبناني العميل سابقا قائلا: (نحن لسنا خائنين وغدا سيحكم التاريخ بيننا وبين من يعتقد بخياناتنا, غدا سيعرف الناس من هو الوطني ومن هو الخائن) !! فهل قال التاريخ كلمته في حق خائني الأوطان؟ أم انه ينتظر أدلة أخرى أكثر اقناعا؟ وغريب حقا أن يجلس شخص إلى أصدقائه أو من يعتقدون بأنه صديقهم فيقولون له كل ما يجول في خواطرهم, ويجاهرون أمامه بآرائهم الصريحة والجريئة جدا أحيانا مطمئنين إلى انهم في أمان, لكن الزمان يتحول إلى رعب وخوف وتهديد عندما يكتشف هؤلاء المطمئنون إلى ان كل تصريحاتهم الخطيرة قد وصلت إلى من يهمهم الأمر, ما ترتب عليه اتخاذ مواقف واجراءات ضدهم! بينما يؤكد هو انه فعل ما فيه المصلحة العامة! وغريب أن يتغنى الرجل بحب زوجته واخلاصه لها, وعشقه وتفانيه في سبيل أبنائه وأسرته, بينما يعيش هذا الشخص حياة أخرى معربدا في طرقات الخيانة يمينا وشمالا, مسافرا مع واحدة, وقاضيا سهرة مع أخرى, ومتنزها مع إحداهن في إحدى ضواحي مدينة أوروبية (طبعا من وراء ظهر زوجته) وكل ذلك تحت أستار سفرات العمل والمهمات الرسمية والاجتماعات المسائية والمناوبات الليلية, وغيرها من الحيل والكذبات التي لا تتوقف. فهل من المنطق والشرعية أن نتساءل: لماذا يخون الإنسان؟ وكيف تتأسس الخيانة في نفوس البعض؟ هل هي طبع متأصل يتكشف لاحقا؟ هل الخيانة سلوك وراثي أم انحراف خلقي؟ هل الخيانة وجهة نظر قابلة للنقاش؟ هل يمكن أن نختلف في ان الطعن في الظهر وتقديم الوطن لقمة سائغة للأعداء خيانة تستحق أقسى العقوبات؟