اللهم إجعله خيراً.. فقد عودتنا اسرائيل على إطلاق الشائعات وتسريب التقارير التي تؤكد سوء الحالة الصحية للزعامات العربية خاصة من كان منهم على خط المواجهة.. ولكنها هذه المرة تلجأ للعكس, فتقوم بتسريب التقارير التي تؤكد أن صحة رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات مثل الحديد, وأنه يخوض ما يسمونه مفاوضات الحل النهائي وهو في أحسن حالاته البدنية والعقلية.آخر المحاولات من هذا النوع كانت في الأسبوع الماضي, حين تم تسريب تقرير لصحيفة (يديعوت أحرونوت) عن لقاء بين رئيس الوزراء الاسرائيلي باراك وزعيم أوروبي, لكي يؤكد التقرير (على لسان باراك) أن مظهر عرفات الذي ينبئ عن حالة صحية متدهورة هو مظهر مضلل, لأن عرفات (كما يؤكد باراك) في صحة جيدة وفي حالة تركيز ذهني ممتازة, وهو بلا شك مسيطر على ما حوله! ولأن الأيام علمتنا أن اسرائيل لاتفعل مثل هذه الأشياء لوجه الله. يصبح التساؤل مشروعا عن هدف هذه التصريحات.. خاصة في هذا الوقت بالذات الذي تمر فيه القضية الفلسطينية بواحدة من أعقد لحظاتها التاريخية. حيث الاصرار الاسرائيلي - الأمريكي على فرض تسوية هي في حقيقتها تصفية للقضية وإهدار للحقوق العربية, في مقابل العجز الواضح عند القيادة الفلسطينية عن بناء موقف تفاوضي يسانده الإجماع الشعبي والحشد السياسي والمقاومة المسلحة لكي يستطيع انتزاع الحد الأدنى من الحقوق المسلوبة. والتقرير الاسرائيلي الذي تم تسريبه في هذه الظروف يثير الشكوك بلا شك, فعرفات بالقطع ليس بخير, وإلا لما ظهر في التلفزيون الاسرائيلي ليقول إن انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان لم يكن بسبب المقاومة الوطنية اللبنانية, بل بسبب رغبة باراك في تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 425!! ولا يمكن أن يكون عرفات بخير عندما يقول هذا الكلام الصغير. صحيح أن الرجل في موقف لايحسد عليه والجماهير في فلسطين وفي الوطن العربي كله تقارن بين انتصار المقاومة في لبنان, وبين الهزيمة الكاملة لنهج عرفات منذ أوسلو وحتى الآن. وصحيح أن الضغوط الداخلية تتزايد عليه مطالبة بمراجعة الموقف كله. لكن الرجل لو كان في حالة طبيعية, فإنه بلا شك ما كان سيقول ما قاله.. ليس فقط لأنه يعرف أنه يصدم بذلك مشاعر الأمة كلها, ولا لأنه يخلق بذلك حساسيات لا لزوم لها لدى اللبنانيين.. ولكن - أيضا - لأنه يعرف أن تصريحاته الكاذبة ستعطي الفرصة للجماهير الفلسطينية لتسأله: ولماذا تتوقف رغبة باراك الطيب المسالم كما يصوره عرفات عند القرار 425 ؟ ولماذا لا تمتد إلى عشرات القرارات الخاصة بفلسطين؟.. بل ولماذا يكون شرط اسرائيل للمضي في المباحثات مع عرفات أن ينسى هذه القرارات ولا يتذكر إلا أوسلو وتوابعها؟ ولماذا يقول له شلومو بن عامي رئيس وفد اسرائيل الى مباحثات استوكهولم التي لم تعد سرية بوضوح قاتل: إن عليه أن يختار بين قرارات الأمم المتحدة, وبين الاتفاق مع اسرائيل؟ الإجابة تتلخص في كلمة واحدة: المقاومة. هي التي أجبرت اسرائيل على أن تعترف بقرارات الأمم المتحدة الخاصة بلبنان, وتعترف بالهزيمة, وتقرر الانسحاب, وتقيم الأفراح والليالي الملاح لأنها تخلصت من الكابوس الذي عاشته في الجنوب الذي تحرر بعدما دفعت اسرائيل ثمن احتلالها غاليا. ولو كان عرفات في حالته الطبيعية لأدرك ذلك, ولأدرك أيضا حجم الكارثة التي تسبب فيها حين أجهض الانتفاضة وصادر حق المقاومة الفلسطينية, وجاء بالمخابرات الأمريكية لتعمل مع أجهزة أمنه على منع أي مساس بالعدو الصهيوني الذي مازال يحتل الأرض ويقيم المستوطنات ويفرض شروطه المذلة على عرفات ويمهد لحل نهائي هو المأساة الكاملة للشعب الفلسطيني. ولو كان عرفات في حالته الطبيعية لما خرج على التلفزيون الاسرائيلي ليقول إن اسرائيل لم تنسحب من لبنان بسبب المقاومة.. بينما الجنود المنسحبون يرقصون مع أهلهم في شوارع تل أبيب فرحا بالنجاة من مصيدة الموت التي كانوا فيها. ولو كان عرفات في حالته الطبيعية لما أرجع الانسحاب الاسرائيلي المهين لسماحة باراك وطيبة قلبه وعشقه للسلام - بينما باراك نفسه يؤكد أن لبنان كان مأساة لاسرائيل وأن الانسحاب تم لأن أكثر من ألف أسرة اسرائيلية فقدت أبناء لها هناك. ولو كان عرفات في حالة طبيعية لتذكر أن الانتفاضة (وليست قرارات الأمم المتحدة) هي التي جعلت اسرائيل قبل سنوات تهدد (!!) بالانسحاب من جانب واحد من قطاع غزة بعد أن أدركت أن الاستمرار هناك كارثة مع تزايد القتلى من جنودها ومستوطنيها. وللأسف الشديد فقد نجح (تهديدها) بالانسحاب في أن يأتي بعرفات الى الدهاليز السرية في أوسلو, ليبدأ معها مسيرة (سلام الشجعان) إياها, وليحقق لها ما عجزت قوتها العسكرية واحتلالها الباطش عن تحقيقه.. الأمن والأمان, مع استمرار الاستيطان والتهام القدس وفرض شروط الاستسلام على ضحاياها الذين فرضت عليهم قيادتهم أن يلقوا السلاح قبل الأوان, ويسقطوا خيار المقاومة قبل الحصول على الحقوق المشروعة.. والمسلوبة. وإذا كان الأمر كذلك.. ألا يبدو غريبا أن تقوم اسرائيل - في هذا الوقت بالذات - بتسريب تصريحات باراك التي يؤكد فيها أن عرفات بخير, وأن صحته ممتازة, وذهنه حاضر, وسيطرته على من حوله لاشك فيها؟! تأتي الشكوك حول تصريحات باراك في ضوء الانقسام الذي يبدو حتميا في دوائر السلطة الفلسطينية حول مباحثات الحل النهائي. فبعد التغييرات المتتابعة في أطقم المفاوضات - وانتهاء الأمر بالاعلان عن القناة السرية التي أصبحت علنية في استوكهولم, واستقالة ياسر عبدربه, أصبح واضحا أن الجناح الذي قاد عملية التسوية منذ أ وسلو هو المسيطر, وأن ثنائي أحمد قريع وحسن عصفور الذي يتولى التفاوض الآن تحت الاشراف المباشر من أبومازن مهندس العملية وقائدها الحقيقي في طريقه لاتفاق كانت ملامحه واضحة منذ بداية العملية ويعكس الرضوخ لشروط اسرائيل, وكانت وثيقة أبومازن - بيلين بلورة لهذا الرضوخ الذي يتحول الآن الى اتفاقات تفصيلية تثير اعتراض جانب آخر من داخل السلطة الفلسطينية (مثل ياسر عبدربه) كانت تتصور أن الشروط ستكون أفضل وأن النهاية ستكون أفضل من البداية في أوسلو. لقد كان هذا الفريق يتصور أن الموقف الذي تم الاعلان عنه في بداية مفاوضات الحل النهائي هو موقف مبدئي لا عودة عنه. وكان هذا الموقف يؤكد على ضرورة الانسحاب الكامل من كل الأرض التي تم احتلالها عام 67 بما فيها القدس الشرقية, وعودة اللاجئين الفلسطينيين, واقامة الدولة ضمن هذه الحدود. وقد كان مفهوما لدى هذا الفريق داخل السلطة الفلسطينية أن اسرائيل ترفض كل ذلك, ولكنهم كانوا يراهنون على أن موقفهم سيكون أقوى وهم داخل الأرض المحتلة, وأن أمريكا ستتدخل لفرض حل معقول. لكن الحقيقة التي تغافل عنها هذا الفريق أن النهاية كتبت في أوسلو, وأن البداية الخاطئة لايمكن أن تقود الى نتائج صحيحة, وأن أوراق الضغوط الفلسطينية قد تم التخلي عنها مجانا, وأن القضايا الصعبة التي تم ارجاؤها في أوسلو لن تجد حلها في استوكهولم, وأن أمريكا لن تضغط إلا لصالح اسرائيل. وأن الموقف الذي أعلنته السلطة الفلسطينية بتمسكها بالثوابت عند الحديث عن الحل النهائي لم يكن إلا خطوة لتأجيل الحل النهائي ذاته. وهذا ما يحدث الآن, وما يحظى - فيما يبدو - بتأييد فريق في السلطة الفلسطينية, وما يتم وضع الرتوش النهائية له في استوكهولم.. بحيث يتم الانسحاب من جزء كبير من الضفة الغربية, وتوافق اسرائيل على دولة فلسطينية كاريكاتورية مقطوعة الصلة بعالمها العربي, مع تأجيل كل القضايا الأساسية وفي مقدمتها القدس وعودة اللاجئين الى موعد لن يأتي أبداً. ولأنهم يعرفون أن (أوسلو) لم يكن ممكنا تمريرها بدون عرفات, فإنهم يعرفون مدى الحاجة لوجود عرفات في محاولة تمرير ما ستسفر عنه مباحثات استوكهولم.. خاصة إذا كان البعض من داخل السلطة الفلسطينية نفسها يعرف مدى خطورة ما فيها ويعلن معارضته المسبقة لها. ولكن عرفات المطلوب لهذه المهمة ليس هو عرفات الضعيف صحيا, المتعب ذهنيا, العاجز عن فرض سيطرته على المحيطين به الذين يتصارعون - في هذه الظروف الدقيقة - في معركة الخلافة. بل عرفات الذي يؤكد باراك بنفسه أنه في صحة جيدة وفي حالة تركيز ذهني ممتازة, والمسيطر بلاشك على كل ما حوله. والغريب أن مكتب باراك في نفس الوقت - وبالصدفة البحته طبعا - كان يؤكد أن المفاوضين الاسرائيليين متمسكون بالخطوط العامة لسياسة الحكومة الاسرائيلية بما في ذلك التمسك بالقدس الموحدة ومنطقة غور الأردن, وعدم السماح لعودة اللاجئين أو تفكيك المستوطنات. ولا تحسب أن هناك تعارضا بين هذا وذاك.. فالمفاوضات لابد أن تكون صعبة حتى يمكن تمرير نتائجها, وكل طرف لابد أن يتمسك بمواقفه في القضايا الأساسية حتى يمكن تأجيل البت فيها, وما سيتم الاتفاق عليه بعد ذلك سيتم الاعلان عنه وسط زفة اعلامية تؤكد أنه انجاز ضخم ما كان ممكنا الوصول اليه لولا بركات السيد كلينتون من ناحية, وحب السيد باراك للسلام الذي جعله ينسحب من لبنان بسبب المبادئ وليس المقاومة, ثم.. قدرة عرفات - أطال الله في عمره - الذي هو في صحة جيدة وعقل واع, وقدرة كاملة في السيطرة على ما حوله. إنسانيا: نتمنى للرئيس الفلسطيني الصحة والعافية وطول البقاء. وسياسيا: نرجو أن تكون استوكهولم غير أوسلو. وأن يخسر باراك رهانه على إمكانية فرض الحلول الاسرائيلية على الفلسطينيين. وأن يثبت المفاوض الفلسطيني - في السر والعلن - أنه لم يعد هناك مجال لتنازلات جديدة بعد أن حصلت اسرائيل على ما لم تكن تحلم به من تنازلات فلسطينية.. وأن تعود الحياة للمقاومة الفلسطينية ليصبح التفاوض - في ظلها وحمايتها - تفاوضا متكافئا يفتح الباب للحل الذي يعيد الحقوق ويحرر الأرض. وساعتها سنعتبر ما قاله عرفات عن المقاومة اللبنانية مجرد (زلة لسان) لا أكثر ولا أقل! ولكن الأمنيات شئ والواقع شئ آخر.. والأمور بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية قد وصلت فيما يبدو الى نقطة العودة, وأولبرايت في الطريق للمنطقة, والمباحثات انتقلت من استوكهولم الى داخل اسرائيل, والسيرك الاسرائيلي الداخلي بدأ تشغيله للإيهام بأن الاتفاق ليس في مصلحة اسرائيل, وأجهزة الأمن في السلطة الفلسطينية تكثف استعداداتها خوفا من انتفاضة محتملة وليس خوفا عليها, و.. اللهم اجعله خيرا!