هل صحيح ان السفيرة جلاسبي اعطت نيابة عن الولايات المتحدة ضوءا اخضر للرئيس العراقي صدام حسين في صيف عام 1990 للمضي قدما في غزو العراق؟ لقد تحدث في مقالة سابقة عما سيحفل به التاريخ العربي المدون من فجوات وحلقات مفقودة بسبب غموض احداث معينة وغياب اي عمليات لتقصي الحقائق فيها... وبالتالي يجري تدوينها... في صفحات التاريخ العربي وهي ناقصة او شبه معتمة بما يجعل من الصعب ان لم يكن المستحيل تقييمها لاستخلاص احكام تاريخية علمية منها. وكان حديثي ذاك في مناسبة حلول ذكرى حرب يونيو 67 وعلامات الاستفهام حولها, حرب يونيو ليست سوى مثال واحد ينحصر بصورة اساسية في دولة عربية واحدة هي مصر. وبما ان سياق الحديث عن التاريخ العربي يتجاوز مصر بطبيعة الحال, فان هناك احداثا جساما اخرى تتعلق بدول عربية اخرى لا تزال تمثل فجوات او حلقات مفقودة هامة. السفيرة جلاسبي كانت سفيرة الولايات المتحدة لدى العراق حتى لحظة عبور القوات العراقية الحدود في الثاني من اغسطس 1990 ودخولها الاراضي الكويتية في عملية غزو سوف تدخل صحائف التاريخ العربي كنقطة تحول مصيري للمجرى السياسي للوطن العربي, والفجوة او الحلقة المفقودة في سياق التطورات التفصيلية لهذا الحدث الجسيم هي ما اذا كانت الولايات المتحدة قد وافقت مسبقاً بطريقة غير مباشرة على عملية الغزو. ان معرفة الحقيقة بحذافيرها الدقيقة في هذا الصدد عنصر لازم للمؤرخين لاستخلاص حكم تاريخي يمكن الاطمئنان اليه بصورة قاطعة, من اجل معرفة المغزى الحقيقي للغزو بحيث تجيب التفاصيل عما اذا كانت الولايات المتحدة تنطوي على نية مسبقة لاستدراج العراق بهدف خلق ذريعة لتدميره لاحقا. قبيل ايام من تنفيذ عملية الغزو استقبل الرئيس العراقي السفيرة الامريكية. ومما يروى ان السفيرة جلاسبي ابلغت الرئيس صدام انه ليس من سياسة الولايات المتحدة التدخل بين دولتين عربيتين حتى في حالة وقوع اشتباك مسلح بينهما. وبما ان السياق الرئيسي للمقابلة كان العلاقات العراقية الكويتية فان الرواية تقول ان الرئيس العراقي فهم من هذه الملاحظة الامريكية ان واشنطن سوف تتخذ موقفا حياديا في حالة قيام القوات العراقية بغزو الكويت. واذا كانت هناك مرجعية لتقييم مدى صحة هذه الرواية فان هذه المرجعية يجب ان تتمثل في وثيقتي وقائع هذه المقابلة: المحضر الذي اعدته الخارجية العراقية للمقابلة والمحضر الذي اعدته السفيرة الامريكية. ويقال ان الوثيقة العراقية تتضمن ان بغداد فهمت ان واشنطن اعطتها ضوءا اخضر, اما الوثيقة الامريكية التي بعثت بها السفيرة على هيئة برقية مطولة الى الخارجية الامريكية فان صياغتها اللغوية مبهمة بحيث ما يمكن فهمه منها هو الشيء ونقيضه في آن معا. هذا التناقض الامريكي العراقي والتناقض الامريكي الامريكي سوف يمثل صعوبة عظيمة لدارسي التاريخ العربي في المستقبل من حيث فهم المغزى الحقيقي للغزو العراقي للكويت بصورة دقيقة. وهكذا سوف تكون قراءة التاريخ العربي بواسطة اجيال المستقبل كمن يشاهد فيلما مسجلا على شريط فيديو تتخلله اجزاء مفصلية ممسوحة عمدا مما يتعذر معه فهم السياق العام.