منذ ظهور مصطلح (ملتي ميديا) عام 1980 على ايدي الاستاذين/ سيمون نورا و انس مينك اللذين وضعا لمنظمة اليونسكو تقريرهما عام 1978 حول المجتمعات المعلوماتية وهذا المصطلح يكتسب تدريجيا اهمية بالغة. فالملتي ميديا او وسائط الاعلام المتعددة ، هي كأجهزة الاعلام الاخرى حمالة رسالة ونقالة معلومة ومبلغة معرفة وبالتالي تؤدي دورها الكامل في توجيه الرأي العام وقيادة المجتمعات ونقل القيم وتبادل المعلومات والخبرات والتجارب وتكوين ردود الافعال العامة ازاء الاحداث. ولكن الذي يفرق بين الملتي ميديا ورسائل الاعلام التقليدية كالاذاعة والتلفزيون والصحافة هو افتقاد الملتي ميديا لقوانين منظمة لهذه الاداة الاعلامية القوية المتنامية. فقد ولد قانون الصحافة والنشر في كل دولة ليجاري ويقنن ويواكب الاذاعة والصحافة المكتوبة والتلفزيون وظل هذا القانون مرتبطا بهذه الاجهزة التقليدية يحاول حماية حقوق الناس من الاعتداء بالكلمة او بالصورة على الاعراض والاديان والسياسات وتختلف هذه القوانين من دولة لدولة حسب درجة ليبرالية مجتمعاتها لكنها تظل قوانين قابلة للتطبيق وقابلة للتطوير حسب تطور ادوات الاعلام. اما وسائط الاتصال الحديثة (الملتي ميديا) فهي لاتتطور فحسب بل (تتثور) (من اصل الفعل ثار يثور) وثورتها المستمرة المتسارعة تمنع المجتمعات ـ حتى المتقدمة ـ من ان تلاحقها وتواكبها بتشريعات ملائمة حتى قال الاستاذ أ. لوكاس استاذ القانون بجامعة نانتز الفرنسية (ان عالم الملتي ميديا استعصى على القانون وتحول الى دغل متوحش لم يعد من الممكن اخضاعه لتشريعات...) ففي فرنسا مثلا بدأت الوسائط الاتصالية تأخذ طريقها الى عالم الاعلام والمصارف والشركات عام 1980 وحين وضعت الدولة الفرنسية قانون الاتصال في 29 يوليو 1982 عرج بند واحد من بنود القانون على الملتي ميديا حيث اخضع كل من يتعامل مع الكمبيوتر ويسجل برمجياته الى مجرد التصريح بذلك دون تحديد الجهة التي يصرح لها بذلك وكيفية التصريح ومن له الحق او القدرة على قبول او رفض التصريح. لقد انطلق المشرع الفرنسي من اعمدة الحكمة القانونية او من فلسفة القانون حين اكد بأن مستعمل هذه الوسائط هو مواطن له كامل حرية التعبير والاتصال ونشر افكاره في اطار القانون... اي اعتبر القانون مستعمل الوسائط ككاتب في صحيفة او متحدث في اذاعة او متكلم في تلفزيون, واخضعه الى نفس معاييرهم في الامتناع عن نشر افكار نازية او مخلة بالأمن العام او نشر صور خليعة يمكن ان تصل الى ايدي الصغار والقصر وغير الراشدين ولا نجد في القانون اي اشارة او تلميح الى نسخ الاقراص بصورة غير مشروعة او تشويه موقع من مواقع انترنت ذي محتوى مخل بالاخلاق او بالاديان او بالاعراض او بالامن العام. وهكذا بلغنا في اواسط التسعينيات مرحلة البي سي P.C او الكمبيوتر الشخصي وتوصيله بالاجندة الشخصية وبشبكة الانترنت وبالهاتف النقال, دون ان تتابع القوانين هذه الثورة العارمة الحقيقية. ففي الولايات المتحدة وهي متقدمة الكترونيا وتشريعيا وقعت في شهر يناير الماضي مشكلة بيل جيتز وتقديم شركة مايكروسوفت للقضاء بتهمة يرجع عهدها الى القانون الامريكي التجاري لسبتمبر 1903 اي صادر منذ حوالي قرن وهو قانون مكافحة الاحتكار وبذلك عوملت شركة مايكروسوفت عام 2000 كما كانت تعامل مزارع الطماطم والبطاطس عام 1904 ومصانع التبغ عام 1943 وشركة فورد للسيارات عام 1955 .... الخ وأمام الفراغ القانوني المذهل في امريكا اصدر القاضي حكما مذهلا في ابريل 2000 يقضي بتقسيم مايكروسوفت الى شركتين مما دعا صاحبها بيل جيتز الى التعليق المازح بقوله: (كأنما القاضي يأمر بتقسيم شركة ماكدونالدز الى شركتين: واحدة تبيع الهامبرجر والثانية تبيع الشيزبرجر) . واذا كان هذا حال فرنسا وامريكا ازاء الهجمة الضارية للوسائط الاتصالية فما عسى يكون حالنا نحن العرب حين نصرح بأعلى اصواتنا اننا نريد الحفاظ على قيمنا وديننا واخلاقنا ثم نغمض عيوننا في نوع من انواع اللامسئولية والاستقالة... ما عدا الحرص على الامن السياسي وهو امن عابر ومتغير مختلف عن الثوابت. ان هذه قضية العرب كذلك. ففي فضاء الملتي ميديا يظل البيت العربي بدون ابواب, بل بدون جدران. فلا يجب ان نندهش غدا اذا هبت علينا الرياح العاتية من الشرق او الغرب.