في هذا العالم الذي اصبحت فيه الاقمار الصناعية بديلا للسيوف. وصارت فيه المحطات الفضائية مرادفة ـ في المهمة ـ للقنابل. وتسربل عفريت العولمة بمسوح الرهبان وتقنع الاستعمار الجديد بأقنعة الصوفية. لم يعد امام المجتمعات العربية والاسلامية خيار ـ لتعيش ـ سوى ان تتشبث بهويتها من خلال اعادة النظر في السلاحين التقليدييين الذين لا تملك غيرهما وهما: التربية والثقافة وركائز العلاقة بين التربية والثقافة في المجتمعات العربية والاسلامية بوجه عام هي: أ ـ تأصيل التربية العربية: بمعنى اعادة دراسة الفكر التربوي المهيمن على المؤسسات التربوية العربية وتحليله في اطار منظومة ثقافية تستمد جذورها النظرية من الثقافة العربية الاسلامية. ب ـ تنمية روح الابداع والعناية بالموهوبين في مدارسنا وجامعتنا. جـ ـ احياء دور الاسرة التربوي واعادة النظر في جوانبه المختلفة ليصبح دورا متغيرا يواكب عطاءات الاعلام المباشر وغير المباشر بحيث تصبح (التربية الاعلامية) اهم وظيفة للاسرة حاليا. د ـ تشجيع الانتاج الاعلامي العربي في اتجاه ابراز نماذج السمو والتفوق في ثقافتنا العربية ـ الاسلامية بتقنيات واساليب مبتكرة تمتاز بالجاذبية والتشويق. هـ ـ اشاعة جو من الحرية الاكاديمية في مؤسساتنا التربوية لتشجيع روح المبادرة وتنمية الابتكار. دور التربية والثقافة في التنمية البشرية واعداد الافراد للمساهمة بدور فعال في المجتمع: دور التربية: 1ـ اعداد الكوادر المدربة لتلبية مطالب سوق العمل. 2ـ تسويق الخدمات التعليمية من تدريب واعادة تأهيل وتغيير اتجاهات.. الخ 3ـ تنمية البحث العلمي ليصبح منهج حياة لكل مواطن. 4ـ اثارة وتشجيع الحماس العام للمشاركة في القضايا المحلية والاقليمية والعالمية بفاعلية. دور الثقافة: 1) تخير وتبني نماذج للنبوغ العلمي وتقديمها كقدوات للأفراد. 2) احداث توازن اعلامي بين احتياجات الجماهير الاعلامية فلا يطغى الجانب الرياضي مثلا في صحيفة ما او اذاعة ما على الجوانب الاخرى. 3) التخفيف من نشر الجرائم ـ بتفاصيلها ـ في الصحف ما لم يتم الالتزام بالضوابط الاخلاقية والقانونية للنشر. 4) تقديم ثقافة متنوعة (سياسية ـ اقتصادية ـ تربوية) للجماهير بهدف زيادة وعيها بقضايا مجتمعها. 5) عدم الانسياق في قيادات الغزو الثقافي الوافد والحفاظ على الهوية القومية. 6) محاربة التفكير الخرافي بشتى انماطه. الثقافة جانب ن جوانب التنمية الاقتصادية او وسيلة لتحقيقها: الثقافة انجح وسيلة من وسائل تحقيق التنمية بجوانبها المختلفة وليس التنمية الاقتصادية فحسب. لأن تعبئة الجماهير لتبني قضية التنمية تتوقف الى حد كبير على مدى وعيهم, والوعي اول درجة من درجات سلم الثقافة. ثم يتحول تدريجيا الى سلوك فاعل وفعال. اما القول بأن الثقافة جانب من جوانب التنمية الاقتصادية فإنه ينطوي على قدر كبير من التفاؤل والرومانسية يجعله أقرب الى (اليوتوبيا) منه الى الواقع. الثقافة غاية التنمية البشرية وهدفها ام وسيلة لتحقيقها؟ لا يصح ـ في رأيي ـ ان نعتبر الثقافة غاية التنمية البشرية, ولكن الاصوب ان نعتبرها وسيلة لتحقيقها. فالتنمية البشرية ليست ثقافة فقط, وانما هي ـ كما اشرنا في تحديد مفهومها ـ حفز كل الطاقات وتنميتها واستنفارها لتبدع وتتألق وتعطي كل ما تستطيع من عطاء. ومن ثم فإن الثقافة عليها ان تعمل في اتجاه تحقيق التنمية البشرية لتتحقق ـ بالتبعية ـ كل جوانب التنمية. العوامل الثقافية, والاجتماعية التي تؤثر في التنمية البشرية بوجه عام: العوامل الثقافية التي تؤثر في التنمية البشرية: 1ـ التنوع والوحدة: بمعنى ان عناصر الثقافة العربية يجب ان تقدم على اساس التنوع في اطار الوحدة حتى لا تكون معيقا للتنمية البشرية. 2ـ الثنائية: يجب ان تختفي من الثقافة العربية ظاهرة الثنائية بحيث لا يكون السلوك البشري متناقضا فالانسان العربي يستحل لنفسه ما يحرمه على غيره احيانا, وفي هذا خطر شديد على السلوك الانساني. 3ـ (افعل التفضيل) : وهذه التسمية التي اقتبسناها من كتب اللغة تعني ضرورة اختفاء استخدام صيغة (احسن, اكبر, اجمل... الخ) من مفردات التعامل اليومي في حياة الافراد, كما يجب ان يسعى الاعلام لاستئصالها لانها معوق من معوقات التنمية البشرية. العوامل الاجتماعية ـ الثقافية التي تؤثر في التنمية البشرية: أ ـ التخلف الاقتصادي ب ـ التخلف الثقافي. جـ ـ التفكير الخرافي. د ـ الاعلام المنحاز. هـ ـ سوء فهم مدلول (تعليم الكبار). و ـ الامية السياسية. ز ـ الامية الدينية. ح ـ التردد. ط ـ انعدام روح المبادأة. ي ـ الموسمية الثقافية (ومعناها ان يتبنى الاعلام في موسم ما قضايا بعينها مثل بدء العام الدراسي ـ الامتحانات ـ الحج.. الخ) فيعيد ويزيد ويكرر نشر نفس الافكار وبنفس الطريقة فيخلق بذلك مجتمعا مفلس الفكر, نمطي التفكير. كيفية خدمة التربية للثقافة والشروط والمتطلبات التي يحتاجها النظام التربوي ليكون نظاما فاعلا واكثر مساهمة في التحول الثقافي والتغير الحضاري: تخدم التربية الثقافة عن طريق (غربلة) التراث الثقافي من جهة, لاختيار الصالح منه لتأكيد الهوية الثقافية للامة, ومن جهة اخرى عن طريق تربية (فلسفة الانتقاء) لتصبح منهج سلوك في الحياة بمعنى تمكين المتعلم من فرز المعطيات الثقافية المتاحة والقدرة على تمييز ما يناسبه. ومتطلبات ذلك في اي نظام تربوي قد يكون منها: 1ـ ان يكون النظام التعليمي ديمقراطيا يسمح بالحوار الفعال بين المعلم والمتعلم. 2ـ ان يشتمل المنهج والمحتوى والطريقة المستخدمة في التعليم على عدد من البدائل دائما. 3ـ ان تقوم المدرسة بإجراء حوار دائم اطرافه: أ) اولياء الامور ب) العاملون في وسائل الاعلام جـ) التلاميذ والمعلمون يستهدف هذا الحوار (الذي قد يكون على شكل ندوات متكررة او ورش عمل او مؤتمرات او لقاءات دورية) بلورة ما يخص المنهج وخصائص نمو التلاميذ في وسائل الاعلام المختلفة لاقرار ـ او تصويب او تحسين ـ طرق معالجته. 4ـ تصنيف التلاميذ وفقا لقدراتهم في فصولهم الدراسية وليس وفقا للحروف الابجدية او غيرها من المعايير العشوائية. 5ـ ربط المناهج بمتطلبات التغيير الثقافي وتجديد محتواها عاما بعد عام وليس كل عدة سنوات. كيفية المحافظة عن طريق الثقافة العربية الاسلامية على عناصر تراثها الاصيل في التمازج الثقافي الذي تيسره وتدعو له ظاهرة العولمة: * لكي تفعل الثقافة العربية الاسلامية ذلك لابد ان تقدم للاجيال في صور عصرية جذابة تستطيع منافسة الثقافة الغربية او الوافدة ايا كان مصدرها. فعلى سبيل المثال, لا يستطيع الطفل او المراهق ان يترك شاشة تعرض افلاما ومسلسلات وافدة مليئة بالحركة والمرح, ويشاهد اعمالا تاريخية بطيئة الحركة يغلب عليها الخمود والجمود والبلاهة. * ولابد في هذا السياق من انتاج اعلام معلب يتاح في نوادي الفيديو للناس يقربهم من تراثهم ويتميز ايضا بالجاذبية والتشويق. * ولابد من تشجيع استعمال الفصحى في كل المستويات بقدر الامكان. * ولابد ان تتحول توصيات مؤتمرات المجامع اللغوية بشأن تعريب اسماء المحال التجارية, وتعريب التعليم الى قرارات واجبة التنفيذ. * ولابد ان تتحقق الوحدة الثقافية العربية قبل اي نوع آخر من انواع الوحدة. الاشكال الجديدة للتغير الثقافي والتي من شأنها المساهمة في اثراء ثقافات الشعوب: من هذه الاشكال: ـ الاستيراد السريع للتكنولوجيا. ـ الفيديو. ـ الانترنت. ـ الحواسب الآلية وامكاناتها المتجددة. ـ ثورة الاتصالات. وتسعيد ثقافتنا العربية الاسلامية موقعها المتميز بما يلي: 1ـ ان توحد الشعوب العربية ثقافتها لتكون ـ في مجموعها ـ نموذجا تحتذيه الدول الاسلامية الاخرى. ولا تثور بينها خلافات بسبب رغبة كل منها في الانفراد بالزعامة ودعاواها الزائفة. 2ـ ان تعمل الحكومات العربية والاسلامية جاهدة على ان تصبح اللغة العربية لغة رسمية في كافة المحافل الدولية. 3ـ ان يوجد نوع من التنسيق بين المؤسسات الثقافية العربية والاسلامية حول القضايا المثيرة للخلافات لتصفيتها وبلورة المواقف حولها بحيث يتم حصر الخلافات في اضيق نطاق. 4ـ ايجاد منظمة عربية للانتاج الاعلامي تكفل لها الحرية ويتم تحويلها وادارتها وتسويق برامجها من خلال مجلس للأمناء ينتخب له ـ بنفسه ـ رئيسا ومجلسا لادارته وتتولى الحكومات ـ مبدئيا ـ دعمه ماليا الى ان تتكون للمنظمة موارد ثابتة خاصة بها. دور تكنولوجيا المعلومات خاصة شبكات الانترنت والقنوات الفضائية في دعم الثقافات المحلية او الاضرار بها: اما من حيث الاضرار بالثقافات المحلية فهذا دور وارد وقائم بالفعل ولا يمكن انكاره. اما من حيث الدعم فلن يتأتى ان يكون لتكنولوجيا المعلومات دور فيه, إلا اذا وجدت سياسة اعلامية مخططة تخطيطا علميا بأيدي الخبراء وغير خاضعة لنظام واحد من انظمة الحكم بل تكون ذات توجه قومي. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل تتأثر الثقافة بالبيئة؟ لا شك في ذلك بالطبع ـ فالتأثير بين الثقافة والبيئة متبادل وقائم بالفعل لكون الانسان هو منتج الثقافة ومستهلكها في آن واحد, وهو الذي يدمر البيئة ويناط به الحفاظ عليها في آن واحد كذلك. دور الجامعات العربية في دعم التنمية الثقافية: يمكن ان تدعم الجامعات العربية التنمية الثقافية من خلال: 1ـ عقد المؤتمرات العلمية لهذا الغرض. 2ـ تبادل الوفود من الاساتذة والطلاب. 3ـ عقد ندوات تسعى لتبادل الخبرات الاكاديمية في مجال تخطيط وتطوير وتنفيذ المناهج التعليمية. 4ـ تشجيع الانشطة الطلابية المتبادلة كوسيلة لتحقيق التجانس الثقافي. 5ـ تبني سياسة واحدة في تعريب التعليم الجامعي. 6ـ تبادل الاصدرات والمطبوعات ذات الصلة بالتنمية الثقافية. 7ـ الاشتراك في اجراء مسابقات فكرية بين الاساتذة ومعاونيهم والطلاب كل في مستوى مختلف وينظم لقاءات ثقافية للحوار. 8ـ التواصل مع اجهزة الاعلام ومؤسسات الانتاج الاعلامي للتنسيق بين ادوارها وأدوار الجامعات في خدمة التنمية الثقافية. 9ـ القاء الاضواء على البحوث التي تجرى في الجامعات فيما يختص بالتراث العربي ـ الاسلامي. 10ـ تبادل المخطوطات وانشاء هيئة عربية قومية لصيانتها وجمعها وتيسير تبادلها او اتاحتها للباحثين. * عميد كلية التربية ـ سوهاج ـ مصر