الأجيال المستقبلية لدارسي تاريخ الوطن العربي لحقبة النصف الثاني من القرن العشرين سوف يكتشفون فجوات وحلقات مفقودة تخل بسياق الحوادث العظمى والتطورات المفصلية مما يجعل من الصعب ان لم يكن من المستحيل التوصل الى استخلاصات دقيقة وحاسمة حيال مغزى احداث بعينها. إحدى هذه الفجوات العظمى تتمثل في الخامس من يونيو عام 1967 ـ ما قبله مباشرة وما بعده مباشرة.. بالاضافة الى ما جرى في ذلك اليوم نفسه. و السؤال الاساسي الذي يجعل ما عداه تفاصيل وفروع هو: اليس غريبا انه خلال 33 عاما من وقوع الحرب العربية الاسرائيلية في ذلك العام انه لم يجر اي تحقيق رسمي شامل لتقصي الحقائق في أسباب الهزيمة العربية الشنيعة في تلك الحرب خاصة بالنسبة الى مصر.. الطرف العربي الاكبر في الحرب؟ أجل لقد نشر بعض الشخصيات المفتاحية ذات الصلة بالأمر مذكراتهم.. منهم من كان في قلب السلطة.. ومنهم من كان قريبا منها.. منهم عسكريون ومنهم مدنيون. لكن المذكرات الشخصية لا يعتد بها كثيرا في تدوين التاريخ بصورة دقيقة. فصاحب المذكرات, مهما بلغ من سعة الاطلاع الداخلي على الامور والاسرار, ليس موضع ثقة في كل الاحوال. فهو لن ينشر حقائق قد تدينه شخصيا, او قد ينشرها مشوهة ومحرفة ليبرئ نفسه. ان ما وقع في اليوم الخامس من يونيو وما بعده من ايام قلائل غريب جدا بأي معيار عسكري. ها هي الدولة العربية العظمى الأولى يجري تدمير سلاحها الجوي بأكمله تقريبا في بحر بضع ساعات. تسعة عشر مطارا حربيا قصفتها موجات متتابعة من الطائرات الاسرائيلية تقضي على اكثر من 300 طائرة حربية مصرية. وبخلو الاجواء من الطائرات المصرية انفردت اسرائيل بتلك الاجواء لتدمير الجيش المصري تدميرا شبه كامل. وأطلق على الحرب (حرب الايام الستة) لان اسرائيل استطاعت القضاء على قوة مصر ومعها كل من سوريا والاردن خلال ايام ستة فقط. لماذا وقعت الفضيحة.. ومن المسئول او المسئولون؟ في اليوم الاخير للحرب ظهر الرئيس جمال عبدالناصر على شاشة التلفزيون لينقل الى الجماهير المنذهلة استقالته من السلطة. ورغم ان عبدالناصر قرر العودة الى السلطة خلال اربع وعشرين ساعة الا ان الاسئلة الالحاحية التي انبثقت عن حادثة الاستقالة وتداعياتها تبقى بلا اجابة شافية وكاملة ونهائية حتى يومنا هذا. وبالطبع فان السؤال الاكبر والاول هو: لماذا قرر عبدالناصر ان يتحمل المسئولية عن الهزيمة بنفسه؟ اذا قلنا ان ناصر قرر لنفسه ان خطأ الحسابات التي اوصلته الى اتخاذ تدابير نشأت عنها حالة حرب بين مصر واسرائيل راجع اليه شخصيا فلماذا انتحر القائد العام للقوات المسلحة المشير عبد الحكيم عامر؟ وهل انتحر طوعا ام حمل على الانتحار حملا, ام قتل؟ هذا يعود بنا الى مسلسل الاحداث التي سبقت اندلاع القتال. لقد نشأت بالفعل حالة حرب خلال الايام الاخيرة من شهر مايو 1967. على نحو فجائي ودون مقدمات اصدر الرئيس عبدالناصر قرارا استراتيجيا يقضي بمنع اي سفن اسرائيلية من استخدام مضائق تيران على البحر الاحمر. ورغم ان القرار قرار سيادي الا انه ينطوي على استفزاز خطير لاسرائيل. فقد كان يعني عمليا خنق نشاط اسرائيل التجاري مع العالم لأنه يؤدي بالضرورة الى تجميد ميناء ايلات الاسرائيلي على البحر الاحمر. اما لماذا اتخذ عبدالناصر هذا القرار فان الاجابة تبقى لغزا حتى اليوم, هناك رواية تقول ان القرار اتخذ بناء على معلومة مضللة واردة من دمشق تفيد بأن اسرائيل على وشك شن هجوم كبير على سوريا. والمصادر غير السورية تقول ان الرواية كان مبالغا فيها. على اية حال لم تكن مصر الطرف البادئ بالهجوم رغم انها كانت متحفزة عسكريا. لكن الاسئلة تبقى.. وعلى رأسها: لماذا قررت مصر أصلا ولوج مواجهة تفضي حتما الى حرب اتضح لاحقا ان الطرف المصري لم يكن جاهزا لها؟ وفي غياب الاجابة الشافية, مع رحيل عبدالناصر ونائبه عامر, وعدم اجراء تحقيق شامل سوف يكون تاريخ مصر والوطن العربي ناقصا.