مع انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان, يواجه لبنان واصدقاؤه الآن تحديات جديدة لابد من التعامل معها ويهمني من بينها بشكل خاص تلك التحديات التي يجب مواجهتها في الولايات المتحدة.في مرحلة من المراحل كانت العلاقات الامريكية اللبنانية اقوى علاقة ثنائية تجمع الولايات المتحدة بدولة عربية. وفي عام 1996 وحسبما يلاحظ وزير الخارجية الامريكي السابق وران كريستوفر في تأمله لملامح تلك الحقيقة: (منذ قيام لبنان عام 1943 تمتعت دولتانا بعلاقة قوية. وقوة علاقتنا مستمرة في كثير من الاوجه من الاسهامات المهمة التي قدمها الامريكيون اللبنانيون لمجتمعنا) . وخلال السنوات الخمس والعشرين الماضية, ونتيجة لعدد من العوامل تراجعت هذه الروابط فالحرب اللبنانية كان لها اثرها على الجالية الامريكية اللبنانية والتي تعرضت لانقسام مؤسف جراءها, واخذنا نسمع صوتين متنافسين وفي كثير من الاحيان مهاترين كل منهما يدعي تمثيل لبنان. وكثيرا ما كان المشرعون الامريكيون يرتبكون في تحديد الصوت الذي يمثل الجالية اللبنانية. كما ساهم الغزو الاسرائيلي المدمر للبنان عام 1982 والتدخل الطاريء للولايات المتحدة في لبنان في اضعاف العلاقات الامريكية ـ اللبنانية, كما ساهم ايضا القصف الامريكي للشواطىء والجبال اللبنانية والتفجير اللبناني للسفارة الامريكية وثكنات مشاة البحرية الامريكية والمعاناة المطولة للرهائن الامريكيين الذين احتجزوا لفترات طويلة من قبل جماعات لبنانية, كل ذلك ساهم في تفاقم الخلاف بين البلدين. والآن حان الوقت للنظر في امكانية اتخاذ خطوات لاستعادة تلك العلاقة. وفيما يلي بعض الافكار المعتدلة التي تناسب جدول عمل قصير المدى. 1ـ يجب بذل مزيد من الجهود لمحاولة بناء جالية امريكية لبنانية موحدة اذ ساهمت الهجرة الحديثة في تغيير تركيبة هذه الجالية. والعديد من الجماعات الامريكية اللبنانية الموجودة حاليا لا تمثل الا اجزاء من الجالية الاجمالية. ومحاولة الجمع بين هذه الجماعات ربما تكون نقطة بداية جيدة. 2ـ في سياق تطوير برنامج قصير الامد خاص بلبنان في الولايات المتحدة, من المهم التخلص من مشكلات الصورة المرسومة للبنان, اذ ان لبنان بالنسبة لمعظم الامريكيين لم يعد (باريس الشرق الاوسط) ولبنان في استطلاعات الرأي الاخيرة يحتل مراتب منخفضة جدا في التقويم العام وفقط 21 في المئة من الامريكيين يحملون رأيا ايجابيا عن لبنان. وحوالي 20 في المئة منهم يرون لبنان بمنظور سلبي. ولا يزال لبنان في اذهان الامريكيين متصلا بالارهاب والحرب والعداء لامريكا. ولهذا فمن المهم جدا تحقيق علاقات عامة متطورة للبنان في الولايات المتحدة لقد اقترحنا هذا على اللبنانيين دون الحصول على رد. ويجب على الامريكيين اللبنانيين اذن ان يحاولوا تنفيذ هذه المهمة بأنفسهم وبأفضل ما لديهم من امكانيات, ويمكن للمناسبات غير السياسية والثقاية او الانسانية ان تساعد في رفع الصورة العامة عن الجالية ونقل هذه الصورة الى لبنان. ايضا فإن اعمال (الدبلوماسية الخاصة) قد تكون مفيدة ومؤخرا حضرت حفلا لتوأمة ديروبورن في ميتشيجان ببلدة قانا اللبنانية حيث اتخذت الجالية المحلية المبادرة في هذه التوأمة. وهذا ما يمكن فعله في كامل الولايات المتحدة بتوأمة مدن امريكية اخرى مع المدن اللبنانية. 3ـ في سياق محاولات تطوير برنامج قادر على توحيد صفوف الامريكيين اللبنانيين والمساعدة في بناء العلاقة الامريكية اللبنانية, فإن الجهود لرفع المساعدة الامريكية قد تلعب دورا مهما ايضا. ان ذلك يشكل قضية سهلة الفهم وبعدد كبير من السوابق مع العديد من الجاليات العرقية الاخرى. مؤخرا كتبت خطابا للرئيس كلينتون بخصوص هذه القضية وفي رده على خطابي تحدث كلينتون بإيجابية كبيرة بخصوص اهتمامه بلبنان وباعتبار ان رسالته لي قد كتبها قبل الانسحاب الاسرائيلي فقد تحدث ايضا عن اهتمامه بمسألة الاحتلال. وقال ان (لبنان لم يعد يتمتع بكامل سيادته وامكانياته الاقتصادية تعرضت لعقبات خطيرة كما ان اعدادا لا تحصى من المدنيين صاروا ضحايا لهذا الصراع المستمر وباستعادة لبنان لسلامة اراضيه فقط يمكن لشعبه ان ينعم بحياة سلمية ومزدهرة) . ويقول الرئيس الامريكي ان (الهدف الاساسي) للسياسة الامريكية تجاه لبنان هو تطبيق قرار الامم المتحدة رقم 425 (لمساعدة لبنان في استعادة استقلاله الكامل وسيادته وسلامة اراضيه) . ومضى ليشير الى ان الولايات المتحدة قد قدمت مساعدة للبنان بقيمة 15 مليون دولار على شكل 73 ألف طن من القمح واضاف: (نحن ننظر باهتمام في طلب تقدم به لبنان لمساعدته في تأسيس صندوق لاعادة الاعمار لمساعدة الشعب اللبناني على طي صفحة الحرب والانتقال الى صفحة السلام. والاهم من ذلك اننا يجب ان نساعد الشعب اللبناني في التعافي من جروح الحرب الاهلية ومن الحرب في جنوب لبنان) . فكرة صندوق اعادة الاعمار هذه والاهتمام الذي اعرب عنه الرئيس الامريكي بلبنان يجب ان تكون نقطة بداية مفيدة لجدول اعمال خاص بالتحرك في الولايات المتحدة. 4ـ ومن الموضوعات الاخرى التي يمكن ان تكون اساسا لعمل الجالية, الدفع نحو مزيد من التطبيع في حركة السفر والتجارة بين الولايات المتحدة ولبنان وعلى الرغم من ان (الحظر على السفر) الذي يمنع المواطنين الامريكيين من السفر الى لبنان لم يرفع بعد فلا يزال من غير السهل شراء تذكرة سفر من الولايات المتحدة الى لبنان. ولا تستطيع الخطوط الجوية الامريكية ان تهبط بطائراتها في لبنان, كذلك فإن الخطوط الجوية الوطنية اللبنانية وهي خطوط الشرق الاوسط ما زال محظورا عليها المجيء للولايات المتحدة. هذه قضايا يمكن معالجتها ويمكن ان يكون لها اثرها في تطوير التجارة والعلاقات بين البلدين. 5ـ ايضا يمكن التفكير بحملة تثقيفية قومية بخصوص لبنان تتضمن مكونات مختلفة يمكن ان تكون جزءا من جدول اعمال لتحسين التفاهم ويجب بذل جهود لاحضار اللبنانين للولايات المتحدة للتحدث عن بلادهم وتاريخها واحتياجاتها الراهنة. ومن المهم ايضا ايجاد اخبار محلية في الجاليات في الولايات المتحدة يمكن ان تغير من تركيز الاخبار الخاصة عن لبنان واعطائها بعدا امريكيا اذ ان خطابا يقوله بروفيسور لبناني او عضو في البرلمان او شخصية قيادية في غرفة التجارة اللبنانية لن يثير الصحافة الامريكية لكن اذا ما تم القاء الخطاب نفسه في توليدو او اوهايو او سبرينجفيلد في ماسا شوسيتس او امريتكا في نيويورك فإنه سيستقطب تغطية اعلامية تبرزه على الصفحات الاولى. 6ـ القضية الاخيرة التي يمكن ان نثيرها في هذا الصدد تتجاوز مجرد برنامج عمل قصير المدى الذي اقترحه. وهذه القضية هي بذل الجهود لاثارة قضية فرض قانون السيطرة على صادرات السلاح الامريكي الذي يحظر مبيعات الاسلحة الامريكية لدول تستخدمها ضد اهداف مدنية مع الادارة الامريكية والكونجرس. وانا اعي تماما ان هذه القضية لن يتم تفعيلها على المدى القصير. فحينما كتبت للرئيس كلينتون حول الموضوع, رد علي خطيا ببساطة (لقد تقدمت السلطة التنفيذية سابقا بتقاريرها للكونجرس حول استخدام اسرائيل للأسلحة الامريكية الاصل. ونتيجة لهذه التقارير اصبح الكونجرس على وعي جيد باستخدام اسرائيل لهذه التجهيزات الامريكية) . وبمعني آخر, فبغير تحرير قضية فرض القانون للكونجرس فإن شيئا لن يحدث. على كل حال فإني قد اثرت هذه القضية ليس لأن المعهد الامريكي العربي وغيره من جماعات الجالية الاخرى قد اثارتها فحسب, بل قد انضمت الينا ايضا منظمة مراقبة حقوق الانسان, وهي اهم منظمات حقوق الانسان الامريكية. ففي 23 مايو كتبت منظمة مراقبة حقوق الانسان لوزيرة الخارجية مادلين اولبرايت قائلة بأن (اسرائيل قد خرقت القانون الانساني الدولي بهجومها على محطات الكهرباء اللبنانية ثلاث مرات في اقل من عام) . وتتابع الرسالة بالاشارة الى ان الولايات المتحدة وعلى الرغم من هذه (الانتهاكات الاسرائيلية) لم تفشل في الاعتراض على اجراءات اسرائيل فحسب بل انها الآن على وشك بيع اسرائيل صواريخ يمكن استخدامها في هجمات مستقبلية... ان هذه بالتأكيد صفقة خاطئة في الوقت الخاطىء يجب على الولايات المتحدة الا تمضي قدما في صفقة السلاح حتى تضمن اسرائيل بأن الصواريخ لن تستخدم في الهجوم على المدنيين او على المباني المدنية في لبنان) . وممارسة ضغوط متواصلة بخصوص هذه النقطة يمكن ان تنبه الامريكيين الى استخدام اسرائيل غير الشرعي للأسلحة الامريكية وقد تساعد ايضا في ايجاد ضوابط على مثل هذا الاستخدام في المستقبل. ومع ان هذه ليست سوى افكار للتحرك على المدى القصير فإننا يمكن ان نأمل منها ان تثير مناقشات اخرى بين الامريكيين العرب وايضا بين الامريكيين العرب واللبنانيين ومن المهم ان يقوم لبنان واصدقاؤه باستغلال هذه الفرص والتحديات التي خلقتها الحالة الراهنة.