لا شك ان فرنسا خرجت من دوائر التأثير والفعل العالمي مرتين الاولى كانت عام ,1956 والثانية في اعقاب حرب الخليج الثانية التي لم تجن من ورائها الا بقايا الفتات الامريكي على كل الاصعدة الاقتصادية والسياسية.. الخ. بالاضافة الى الخسارات المفجعة التي تلقتها فرنسا في عامي 96 - 97 بالقارة الافريقية, والتي جاءت اشبه ما تكون بالضربة القاضية من حليفتها الولايات المتحدة الامريكية واستطالاتها المحلية في القارة الافريقية. هذه الانتكاسات المتلاحقة وغيرها جعلت من فرنسا ذئبا جريحا, ينتظر اية فرصة مناسبة قد تلوح في الافق للانقضاض على الاخ العدو المتمثل بالحلف الامريكي ـ البريطاني, الانجلوسكسوني, الذي جعل منها جثة مكلومة تستنزف معظم ما كسبته من مغانم ايام الحرب الباردة. وقد بدت معالم هذا الاستنزاف تظهر بالشارع الفرنسي من خلال العديد من الاحتجاجات والاضرابات بين صفوف العمال من مختلف القطاعات الانتاجية والخدمية. حتى ان الجغرافيا الكونية بدأت اضيق مما نتصوره بالنسبة لها, وان خياراتها باتت قليلة جدا, وهذا ما ظهر بشكل واضح وجلي ابان اندلاع حرب البلقان والتي دخلت, فرنسا, الحرب مع الولايات المتحدة ضد يوغسلافيا, من خلال عنوان, مكره اخاك لا بطل, وليس بالامكان افضل مما كان. لعل وعسى ان تكافئها الولايات المتحدة هذه المرة, عن كل ما فاتها بالمرات الماضية, خاصة وان الحرب كانت بين ذات البين, وامريكا احوج ما تكون لموقف مثل الموقف الفرنسي, الذي يشرعن الحرب الاوروبية ـ الاوروبية وعلى ما يبدو ان فرنسا كانت منذ بداية الانهيار الكبير الذي حصل على المستوى الكوني, تعي مخاطر السياسة التي تقودها امريكا على مستقبل اوروبا بعامة ومستقبلها بشكل خاص, وهي لم تسقط من اجندتها, رغم تسويفها, اهمية تشكيل حلف معاد للهيمنة الامريكية حتى قبل نهاية الحرب الباردة والذي تمثل بقيام (الاتحاد الاوروبي) وظهور العملة الاوروبية الموحدة (اليورو). وكما صرح وزير خارجيتها هيوبر فيدرين مؤخرا بأنه, ينبغي ان تعود اوروبا الى محيطها الطبيعي وتخلق توازنا دوليا دون سيطرة الولايات المتحدة على عالم متعدد الاقطاب. ومن خلال هذا الفهم وهذه القناعة عملت فرنسا على احداث متغيرات بالسياسة الكونية عبر عقد جملة من اللقاءات أهمها اللقاء الذي حصل في موسكو لزعماء كل من المانيا وفرنسا وروسيا (وهو اللقاء الذي استبعدت منه الولايات المتحدة وبريطانيا). بالاضافة الى انها عملت كل ما بوسعها على تنشيط تحالفها الثنائي على المستوى الاوروبي خاصة مع الاتحاد الالماني في اطار (الكوندومينيوم). لكن ورغم انها تعرف حق المعرفة بأنها لا هي ولا غيرها من القوى الكونية في العالم قادرة على اقصاء الولايات المتحدة عن دورها على المدى المنظور, لان اقصاءها يتطلب مواقف من داخل المجتمع الامريكي حصرا تؤدي الى تفكيك القدرة التي يتكئ عليها, وان القوى العظمى المتواجدة على الساحة الدولية تفتقر الى القدرة والقوة التي تجابه سيطرتها على العالم بما في ذلك سيطرتها على الدول الصغيرة, وان اي حالة صدام بين القوى الكبرى قد يؤدي بالعالم الى الاندثار والتلاشي. الا ان فرنسا, تعمل كل ما بوسعها من اجل اثبات الحضور على المستوى العالمي انطلاقا من مفهوم اوروبي يرتكز على قناعة راسخة مفادها, ان التفاعل المتبادل ما بين القوة والثقافة يفيد بأن الولايات المتحدة يمكن ان تواجه علاقات صعبة مع القوى الاقليمية الكبرى, وان كانت اقل صعوبة مع الاتحاد الاوروبي. وهذا بالضبط ما حدث في شتاء 1998 عندما عجزت الولايات المتحدة عن خلق مظلة دولية تشرعن العدوان على العراق, فقد عارضت كل من فرنسا وروسيا والصين استخدام القوة وشكلت امريكا حشدا انجلو سكسونيا, وليس حشدا عالميا. ولعل فرنسا تجد ضالتها في العودة الى دائرة الفعل والتأثير على المستوى العالمي من البوابة الشرق اوسطية, وتحديدا من النقطة الساخنة والمحورية, المتمثلة بالصراع العربي ـ الصهيوني, بالارتكاز الى البعد الاوروبي, بعد ان وصلت الى حقيقة ان الحياد الايجابي الذي تبنته منذ وقت طويل, سيوصلها ومشاريعها الاوروبية على المستويين الداخلي والخارجي الى الاندثار والتلاشي. وان هذا الحياد بات يعتبر عند الكثير من الاوساط السياسية الفرنسية المتنفذة وبعض الاوروبية, ضربا لمصالحها التاريخية في العالم بشكل عام, وفي حوض البحر المتوسط بشكل خاص, وأنه لا بديل لفرنسا وحلفائها الاوروبيين, من ايجاد الصيغ السياسية الكفيلة لعودة الدور الاوروبي بما يخدم الاهداف والتوجهات المرسومة للقرن القادم. وقد جاءت الحركة السياسية والدبلوماسية للعاصمة الفرنسية, باريس, باستقبالها عدد من القادة والسياسيين العرب, وبعض الدول الاسلامية, حتى ان المراقب بات يظن ان قصر الاليزيه خلية عمل عربية ـ فرنسية, في الايام القليلة الماضية, لتؤكد التوجه الفرنسي القوي باتجاه الشرق الاوسط بعامة والعالم العربي بخاصة, وانه لا فكاك لفرنسا اذا ما حاولت العودة للمنطقة, من وضع ثقلها السياسي والدبلوماسي الحازم بما يخدم التوجهات العربية الآنية والمستقبلية, التي باتت ترى في العلاقة مع الولايات المتحدة حالة من عدم التوازن واختلال المصالح بظل الدعم اللامتناهي لاسرائيل على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية ـ الامنية. وان الفرصة تعتبر مواتية جدا اكثر من ذي قبل, بعد ان فشلت الولايات المتحدة الامريكية بشكل نسبي في احلال ما يسمى عملية السلام في منطقة الشرق الاوسط, بالرغم من الاهمية التي تكتسبها الولايات المتحدة على هذا الصعيد وقدرتها على فرض الحلول بما يرضي اطراف التفاوض اذا ما ارادت ذلك. وان ثمة توجها عربيا شبه عام لا يستهان به يسعى لاستحضار البعد الاوروبي واشراكه في كل مناحي الحياة ذات الصيغ المتطابقة على الصعيدين السياسي والاقتصادي, سعيا لايجاد حالة من التوازن في العلاقات الدولية ـ العربية, واخراج المنطقة ما امكن من تحت العباءة الامريكية, التي باتت تشكل حملا ثقيلا, لدرجة وصل الامر معها الى التدخل في الشئون الداخلية للدول ذات السيادة الوطنية ووضع اتاوات على سلوك هذا النظام السياسي أو ذاك من خلال حجج ومبررات واهية ليس لها اية مسوغات. ومن نافلة القول ان العرب باتوا يدركون في ظل سيادة القطب الواحد على العالم وتفرده بمقدرات الدول والتحكم بمستقبلها ومصائرها, اهمية دور اوروبا وبالتحديد فرنسا في توفير قواعد الاستقرار والامن نظرا للشراكة الاوروبية ـ الاوسطية. خاصة وان اسرائيل تحاول بكل ما تملك من وسائل لابعاد اوروبا عن كل ما يمت من قريب او من بعيد بالعملية السياسية الجارية في المنطقة على قدم المساواة مع الولايات المتحدة الامريكية, بهدف التهرب من استحقاقات العملية السلمية التي بدأت في مدريد, والاستمرار في التسويف والتمرد على القرارات الدولية, من خلال جملة التفسيرات والتأويلات التي تطلقها بشكل دائم. وعدم الالتزام امام اي طرف دولي غير الطرف الامريكي المنحاز بكليته الى اسرائيل, بتنفيذ ما قامت عليه العملية السياسية, وتطبيق مبدأ الارض مقابل السلام. ولعلي اجزم القوم ان الجولة التي يقوم بها وزير خارجية فرنسا هوبير فيدرين الى العديد من الدول العربية وبالاخص سوريا ولبنان, هذه الايام, تأتي في اطار تنشيط الدور الفرنسي وكسب عامل الوقت الذي ضيعته فرنسا في وقت سابق من خلال مواقفها الوطنية. والتي اعتبرتها الصحافة السورية بأنها تأتي في اطار رؤية مشتركة عربية ـ فرنسية اصبحت اكثر تقاربا وفهما مشتركا لقضايا المنطقة واعمق ثقة بين الطرفين مما يتيح للدبلوماسية الفرنسية ان تعبر عن قدراتها في انقاذ فرصة السلام المتاحة والمساعدة في اعادة عملية السلام الى طريقها الصحيح لتحقيق هدفها المنشود.. وطي صفحة الحروب والعدوان في المنطقة. لكن السؤال الذي لابد منه, هل اقتنعت فرنسا وتحالفها الاوروبي بأن تلعب الدور المطلوب منها حتى ولو عاشت حالة من التعارض مع اسرائيل من اجل مصالحها في غمار المسيرة التي ستخوضها؟ ام انها تبقى الايام او الاشهر القليلة القادمة كفيلة للاجابة على هذه الاسئلة وغيرها. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق