منذ عشر سنوات تقريبا, بل منذ اطلق المرحوم السادات مقولته الشهيرة قبل اكثر من ربع قرن بأن 99% من اوراق الحل بيد امريكا, والنظام العربي الحاكم يبرر هزائمنا العربية وانكساراتنا واستسلامنا للارادة الامريكية والاسرائيلية بأنها نتاج عصر الهيمنة الامريكية, واندثار الاتحاد السوفييتي, وهزيمتنا في حرب الخليج, ولم يحمل نفسه اية مسئولية عن هذه الهزائم, ولم يحدثنا عن واجباته, او واجباتنا كمواطنين للخروج من هذا المأزق. بل على العكس راح يسوق لنا الهزيمة ويروضنا على قبولها ويزرع فينا اليأس والاحباط من امكانية الخروج من هذا الواقع, حتى حملت لنا ريح الجنوب نسائم النصر. والملفت في انتصار المقاومة اللبنانية. انه جاء في هذا العصر بالذات, وتحت اقسى شروطه,. وبعد ان استحكمت حلقاته. وربما كان هذا هو سر عظمته, لا حجم الانتصار ذاته, ولا الهروب الاسرائيلي المذعور تحت جنح الظلام. سره في المعاني التي جاءت به والمعاني التي جاء بها. سره في انه فكرة. فكرة طرحت نفسها ولم تدع احدا اليها, بل جاءها الناس طواعية وقناعة. فكرة لم تسوق نفسها بالاعلام, ولا انشغل اصحابها ببريق الكاميرات, ولم تتحول الى ظاهرة صوتية. فكرة لم تلجأ لشراء الولاء والذمم, ولا استقطاب المحاسيب والازلام. فكرة لم تسع الى اقامة دولة, ولا طمحت حتى الى السلطة. فكرة تكلم اصحابها بصوت خفيض ومتعقل, لكن عصاها كانت غليظة فحالت دون اقامة مستوطنة صهيونية واحدة في الجنوب اللبناني, على غرار ما جرى في الجولان حيث تزرع المستوطنات سهوله وجباله. وقدمت نموذجا لكيفية مقاومة الاستيطان غير البيانات والادانات والاستعطافات. فكرة لم تهزم الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب اللبناني فقط, وانما هزمت ايويولوجيا التوسع الصهيوني باتجاه لبنان. فكرة نجحت ونجح اصحابها في اقامة علاقة سوية ومتوازنة بين خطاب المقاومة وخطاب السلطة. فلم تقدم نفسها بديلا للدولة, ولم تنازعها السلطة, فحيدتها, وحالت دون تآمرها عليها, او التفاوض من خلف ظهرها. بل اجبرت الدولة على احترامها وتبني خطابها وبذلك قدم الطرفان السلطة والمقاومة نموذجا لتكامل الموقف الوطني ووحدته في مواجهة المحتل, وتبين ان اقتراب خطاب السلطة من خطاب المقاومة يجعلها تحظى بالاحترام الشعبي, ويوفر اكبر قدر من الوحدة الوطنية التي تحمي الوطن وتصونه. وحين تحمل المقاومة اللبنانية ونصرها كل هذه المعاني, فإن الخشية عليها تصبح اكبر. لأنها لم تعد حالة لبنانية فقط بل اصبح وليدها المعنوي ابنا لكل العرب, وعنوانا لكل المضطهدين في العصر الامريكي. وأول من نخشى منه عليها هو ذاتها واصدقاءها. فحجم التأييد والتبجيل والمديح الذي تلقته قد يدير الرؤوس ويدفع نحو الغرور. ولقد اتيح لي ان اطل على بعض البرامج الاعلامية التي تحدثت عنها واحلتها محل التقديس فاشفقت عليها وعلى زعمائها, وتمنيت ان يترفعوا عن الاستماع لهذه المدائح, وتذكرت حالات عربية سابقة كيف بدأت متواضعة ونقية وصادقة, وكيف صارت بعد ان صدقت كل ما قيل فيها وعنها صدقا او نفاقا. ولذلك فإن مجاهدة النفس كما يقولون, ومقاومة نمو الذات قد تكون اصعب مهمات اهل المقاومة في المرحلة المقبلة. بل قد تكون اصعب عليهم من كل تجاربهم الماضية في مقاومة الاحتلال. واذا كان لنا من تمن على محبي المقاومة والمنتشين بنصرها ونصرهم, فهو ان يخففوا من التعبير عن حبهم, او يتواضعوا فيه. والخشية الثانية عليها هي من اصدقائها الاقليميين الذين لا تنكر هي ولا نحن حجم الدعم الذي قدموه لها, وليس حبا فيها فقط, وانما خدمة لأغراضهم الاقليمية. صحيح ان هذه الاغراض التقت مع ارادتها على هدف تحرير الجنوب, ودحر الاحتلال الاسرائيلي, لكن الى اي مدى ستستمر وحدة الهدف بعد التحرير!! فهذه الاطراف الاقليمية ينخرط شقها العربي في مفاوضات مع اسرائيل للوصول الى تسوية تشمل لبنان والمنطقة بأسرها, وله نفوذ ملموس في لبنان. بل قد يكون من شروط التسوية عليه إلزامه والتزامه بتعهدات تحتم عليه مقاومة المقاومة كما حدث في التسويات التي عقدت في المنطقة في السنوات الاخيرة. وبعض هذه الاطراف غير العربي يجهد للخروج من دائرة الاحتواء والعزلة التي تفرضها عليه الادارة الامريكية, ونفي صفة الارهاب وتصدير الثورات التي الصقت به واولها المقاومة اللبنانية. وقد قطعت جهوده في هذا المجال اشواطا كبيرة, ان على صعيد تغير خطابه السياسي والاعلامي, او على صعيد علاقاته المتطورة مع الدول الاوروبية, او في تخفيف لهجة الخطاب الامريكي تجاهه, مع تخفيف بعض العقوبات الاقتصادية ايضا. وبالتأكيد فإن موقفه من المقاومة اللبنانية ودعمها, سيكون من بين نقاط المساومة الرئيسية. فهل يتفق الطرفان على تقديم المقاومة اللبنانية قربانا على مذبح التسويات والمساومات بحجة ان اهدافها قد تحققت؟ ام يتم استرضاؤها في اطار هذه التسويات بإدماجها في تركيبة السلطة اللبنانية من خلال حصة تفرد لها كبقية الاحزاب؟ ام يتحول حزب الثورة الى حزب للدعوة والاصلاح؟ فهذه كلها سيناريوهات للخوف المحدق بالمقاومة, فهل تنصاع لها ام ترفضها؟ وهل تملك ارادتها ام ان ارادتها مرتهنة بتحالفاتها المحلية والاقليمية؟ وهل مرجعيتها شعبية عربية ام لها مرجعية اخرى؟ ان طبيعة الخطوة المقبلة للمقاومة في مواجهة الاصدقاء هي التي ستمكنها او لا تمكنها من التصدي للمؤامرات التي يحتفظ لها بها اعداؤها المتمثلون في الاحتلال الاسرائىلي, والادارة الامريكية والانظمة التي تحرجها المقاومة وتسحب من تحتها البساط. بل ان خطوتها المقبلة ستقرر مصير الفكرة التي اطلقتها وتعلق بها الناس.