حتى لو لم تعترض اسرائيل على اعلان من الرئيس عرفات بقيام (الدولة الفلسطينية) بل واعترفت بها فان الارض الفلسطينية باتت بوضعها الديمغرافي الراهن غير قابلة للحكم فلسطينيا. فملامح الضفة الغربية بعد (اوسلو) ليست ملامحها قبل (اوسلو) . خلال سبع سنوات ابتداء من عام 1993 توفر للسلطات الاسرائيلية من الزمن والهدوء الأمني في الضفة الغربية بطولها وعرضها (بما في ذلك القدس الشرقية) ما مكنها من أن تطبق على الارض خطة جاهزة عتيقة للهندسة المعمارية والسكانية والأمنية والاقتصادية تجعل من المدن والقرى الفلسطينية سجونا كبيرة على هيئة جزر معزولة عن بعضها البعض. وما كان لاسرائيل ان تتمكن من تحقيق هذا الانجاز العملاق لولا تعاون القيادة الفلسطينية ممثلة في اجهزة السلطة الوطنية الفلسطينية تحت اشراف الرئيس عرفات. والسؤال الذي سوف يفرد له التاريخ فصلا كاملا قائما بذاته هو: هل كان مسلك الرئيس عرفات على هذا النحو مقصودا ام غير مقصود؟ عن وعي وإدراك ام عن قصر نظر؟ ما جرى في كل الاحوال جريمة كاملة. واذا كان الحق الشرعي للشعب الفلسطيني ظل ضائعا منذ اواخر اربعينيات القرن المنصرم فانه صار الان اكثر ضياعا من اي وقت مضى. انظر في خريطة الضفة الغربية بوضعها الذي آلت اليه بعد سبع سنين من (اوسلو) .. ومن نظرة واحدة سوف تدرك مدى فداحة هذه الجريمة التاريخية. ظاهريا تفرض السلطة الفلسطينية سيطرتها الرسمية على نحو 40 في المئة من المساحة الكلية للضفة. لكن دقق النظر لتكتشف ان الجزء الاعظم من هذه النسبة مصنف كسيطرة ادارية. فالسيطرة الامنية في ايدي السلطات الاسرائيلية. ودقق النظر اكثر لتكتشف ما هو ادهى وأمر. فأرض الضفة الغربية صارت عبارة عن فسيفساء جغرافية وقد فصلت المدن ومجموعات القرى الفلسطينية عن بعضها البعض بأراض خاضعة لسيطرة اسرائيلية. والقرى تعلوها على المرتفعات مستوطنات يهودية.. وتجد قرية هنا او هناك وقد شقها الى نصفين طريق بري جديد. وفي الخليل والقدس اقيمت مستوطنات يهودية وسط المناطق السكنية الفلسطينية. وبعد استكمال الاستغراق في التفاصيل انظر الصورة البانورامية للضفة الغربية, اي الدولة الفلسطينية المستقبلية, لتجدها كما يلي: فسيفساء المدن والقرى الفلسطينية المعزولة عن بعضها البعض محاطة بحزام من المستوطنات اليهودية من ناحية الغرب وشريط ارض من الناحية الشرقية بطول الشاطىء الغربي لنهر الاردن اقيمت عليه منشآت عسكرية. هذه هي (المنطقة الامنية) العازلة بين (الدولة) الفلسطينية والاردن والتي ضمتها اسرائيل عمليا اليها وليست على استعداد للتفاوض بشأنها. ان المشروع الاسرائيلي لتحويل الضفة الغربية الى سجن كبير مستديم مشروع عتيق, كما ذكرنا. لكنه ظل حلما على الورق.. لأن انجازه على الارض يتطلب شرطين اساسيين: تقبل فلسطيني له على الصعيد الشعبي على اساس خدعة (الدولة الفلسطينية) .. وتعاون أمني من قيادة فلسطينية تكون على استعداد لقمع الشعب الفلسطيني اذا انكشف امر الخدعة في مرحلة لاحقة. هذا بالضبط هو التصور الاسرائيلي لاتفاق على غرار اتفاق اوسلو في عام 1993. اما لماذا ابرمت القيادة الفلسطينية هذا الاتفاق ولماذا ظلت لمدى سبع سنوات حتى اليوم تمثل غطاء شرعيا لهذا المشروع الشرير بالتعاون الأمني المنظم مع السلطات الاسرائيلية؟. فانه سؤال يتطلب من الرئيس عرفات اعطاء اجابة عليه ليصدر على أساسها حكم التاريخ بشأن عرفات.