انتهى زلزال نشر رواية (وليمة لأعشاب البحر) الذي شغل الناس في مصر ـ حيث يقع مركز الزلزال ـ وفي الوطن العربي الذي امتد اليه بحكم ان المؤلف سوري, وان الرواية مكتوبة باللغة العربية, وان العرب في الدم والقربى ذوو رحم, وفي الجرح والتهريج اخوان. بل وامتد ـ كذلك ـ الى بعض البلاد الاوروبية التي عاد الناس فيها يتساءلون ـ ببراءة احيانا ـ وبخبث شديد في احيان اخرى عما اذا كان الاسلام ضد تأليف الروايات, وضد الفنون والآداب, وضد الابداع في كل مجال, من الهندسة الى الادارة, ومن العمارة الى التجارة. فإذا كان كذلك, فكيف ازدهرت الحضارة الاسلامية, وكيف ابدعت كل هذا التراث الفكري والفلسفي والحضاري الذي انتقل منها الى اوروبا, ليكون الاساس الذي بنت عليه الحضارة الغربية الراهنة كل ما انجزته. ذلك سؤال نتركه للذين اثاروا الحملة, والذين ظاهروهم, والذين حتموا عليهم, خاصة وانهم جميعا لا يكفون عن التبشير بفكرة تقول بأن هناك مخططا غربيا صليبيا يتخذ من الاسلام والمسلمين هدفا له, باعتبارهم التحدي الذي يواجه الغرب, بعد ان انتهت الحرب الباردة وانهار القطب الآخر الذي كان يناوئه, فإذا بهم ـ بذكاء ألمعي ـ يقدمون بأنفسهم لهذا الغرب, الاسلحة الاعلامية التي يستطيع بها ان يحشد حوله الرأي العام في بلاده لتأييد هذه المؤامرة متذرعا بأن المسلمين وحوش متخلفون, يؤمنون بأفكار تصادر الحرية وتدعو للاستبداد, وتنصب المشانق والمحارق وتقيم المجالد لكل صاحب رأي مخالف. وكماان زلزال الوليمة لم يكن الاول, فإنه كذلك لن يكون الاخير, فقد دخل الوطن العربي حزام الزلازل الفكرية , من هذا المستوى الهابط, الذي لايزيد وزنه على واحد بمقياس ريختر, كان يمكن ألا يشعر به احد, لولا ان الهامش الديمقراطي المحدود في عالمنا العربي, يدفع بعض الفرق السياسية العربية الى رفع شعار: اللي تغلب به.. العب به.. فيستحلون لانفسهم ـ تطبيقا له ـ استغلال كل شيء لتحقيق مكاسب سياسية رخيصة وتعيسة, ويقامرون بالدين كما يقامرون على موائد الروليت ـ من دون حتى ان يحسبوها بشكل صحيح, لتنتهي المعركة, فإذا بهم اول واكبر الخاسرين. لكن بعض توابع زلزال اعشاب البحر, يستحق التوقف عنده, للحوار حوله, في جو هادىء بعيد عن خطاب التهييج والاثارة,الذي يعطل العقل, ويطلق العنان للمشاعر غير المنضبطة واحيانا البدائية, ربما يفيد هذا الحوار في ازالة اثار الزلزال وربما يجعل منه الاخير اذا خلصت النيات وكان الدين والوطن هو الهدف. اول هذه التوابع, هوالتحليل الذي يقول اصحابه بأن (زلزال اعشاب البحر) قد رفع حالة الاستقطاب بين العلمانيين والاسلاميين الى الذروة, وانه خلق حالة من التوتر الاجتماعي يضع الذين يقولون بذلك ـ وهم من المفكرين الاسلاميين الموصوفين بالاعتدال ـ مسئوليتها على عاتق طرفيها المباشرين: الذين نشروا الرواية, والذين اثاروا الضجة ضدها, ويدينون الطرفين لهذا السبب. مع تفرقة لا تخلو دلالتها على لبيب, بين المسئول عن الفعل الذي هو الناشر (الدولة) العلماني ـ وبين المسكين الذي خرج عن شعوره بعد سبعة شهور, فقام برد الفعل ونشر خطاب التهييج والاثارة ـ الذي هو المظلوم المضطهد الاسلامي! وحتى نعرف مدى خطورة هذا التابع, لابد اولا من تحرير الوقائع ـ اي تدقيقها ـ لأن الذين يقولون بذلك, ينطلقون من ثلاث فرضيات لم يثبت ان احداها صحيحة, الاولى: ان الذي نشر الرواية كان يقصد من نشرها تدمير دين الامة والتطاول على مقدساتها ـ وانه نشرها في سياق مخطط غربي تتبناه الدولة المصرية ممثلة في وزارة الثقافة, في كل انشطتها ومطبوعاتها لاحداث هذاالتدمير لصالح الغرب الصهيوني الصليبي وربيبته اسرائيل, وان الذين اعترضوا على الحملة ضدها ـ كانوا جميعا من العلمانيين المشكوك في دينهم والعياذ بالله, وانهم فعلوا ذلك لانهم يجيزون التطاول على الذات الالهية, ويرونها من حرية الابداع. والوقائع الثلاث للأسف ليست صحيحة, لكن احدا لا يعنى اثناء الزلازل وفي ظل وهم الاستقطاب, بتحرير اي تدقيق الوقائع, بل ان الحرص على (الشعبية) او اكتساب المزيد منها, يدفع بعض عقلاء التيار الاسلامي, في اوقات الزلازل, الى اصطناع الوقائع, وهو ما كان كثيرون ممن يعول عليهم الكثير, يأملون ان يتنزهوا عنه. فالخلاف بين الذين اذنوا بنشر الرواية, وبين الذين اعترضوا على نشرها ـ هو خلاف في تقدير التهم المسندة اليها ـ اذ اعتبر الناشرون ـ بل والمؤلف نفسه ـ ان ما ورد بها من الفاظ, هو ضرورة فنية اقتضاها السياق بينما اعتبرها الآخرون, متعمدة للمساس بالمقدسات الدينية, وهو خلاف فني بالاساس, ويمكن ان يكون له بعد ديني. ومن الوارد ـ كذلك ـ ان يكون الذين نشروا الرواية قد فعلوا ذلك بحسن نية واستنادا الى الحفاوة التي استقبلها بها نقاد الادب, دون ان يتنبهوا الى ان بعض ما ورد بها يمكن ان يساء فهمه وتأويله, اما المؤكد فهو ان احدا ممن اعترضوا على حملة التهييبج لم يكتب حرفا واحدا, يدافع به عن التطاول على الاديان في ذاته, او يدعو لحرية ازدرائها او يعتبر المساس بالمقدسات الدينية معه ضمن الحرية التي يدعو اليها. وليس لذلك كله معنى, الا ان الذين ينطلقون من هذه الفرضية يحكمون على (النوايا) لا (الاقوال) وعلى (الباطن) لا (الظاهر) ويشقون عن صدور الناس, فيحكمون عليهم بالكفر وبتعمد اهانة المقدسات, من دون ان يكون لديهم دليل مادي على ذلك. ولا يقل اصطناعا عن ذلك الادعاء بأن الرواية نشرت في سياق مخطط صليبي صهيوني عولمي, تتبناه الحكومة المصرية, ممثلة في وزارة الثقافة, للقضاء على تراث الامة الروحي وانها تنفق اموال الشعب على نشر الالحاد! فمن الوارد ان يختلف الناس مع الحكومة في اسلوب تعاملها مع المنتمين لتيار الاسلام السياسي باجنحتهم المختلفة, المعتدلة والمتطرفة والارهابيين ولكن ذلك امر سياسي لا يمكن ان يتخذ ذريعة لاتهام الحكومة بأنها تعادي الاسلام, اذ لو كان الامر امر وقائع, فباستطاعة المسئولين عن السياسة الثقافية المصرية, ان يقولوا بأنهم يلتزمون بالموقف الثابت للمثقفين المصريين وللعرب, الذي يرفض تطبيع العلاقات الثقافية مع اسرائيل وباستطاعة المسئولين عن هيئاتها المختلفة وعن غيرها من الهيئات الرسمية, ان يدللوا على انها تنشر عن الاسلام وعن غيره من الاديان السماوية عقيدة وشريعة وتاريخا عشرات العناوين كل يوم, وانها تنفق مئات الملايين من الجنيهات على ذلك, وعلى ترميم الاثار والمزارات الدينية وعلى المساجد والدعاة, وعلى محطات وقنوات البث الاذاعي والتلفزيوني التي تنشر الاسلام, على نحو لا يجوز لمسلم يعرف اوليات دينه ان يكذب بأن ينسب اليها انها تعمل على نشر الكفر والالحاد, الا اذا كان ينطلق من فرضية خاطئة بإن الاحزاب السياسية الاسلامية هي الممثل الشرعي الوحيد للاسلام, وان مجرد الخلاف معها يخرج الاخرين ـ ومنهم الدولة ـ من الملة, مع ان كل حزب من هذه الاحزاب الاسلامية ينكر على الآخرين ادعاء تمثيل الاسلام, وبعضها يخرج بعضها الآخر, من الملة. ولا يقل الادعاء بأن الذين اعترضوا على الحملة وعلى خطاب الاثارة والتهييج كانوا جميعهم من العلمانيين المشكوك في دينهم والعياذ بالله, ضلالا عن سابقته, فمن بين الذين اعترضوا على الحملة, مع اعتراضهم على نشر الرواية اذا صح ما نسب اليها, مفكرون اسلاميون لا شك في مكانتهم بل وقادة بارزون لتيار الاسلام السياسي, في مصر والعالم العربي كان من بينهم راشد الغنوشي ـ زعيم حركة النهضة الاسلامية في تونس ـ وعزام التميمي ـ مدير معهد الفكر الاسلامي في لندن ـ وكمال الهلباوي ـ الناطق السابق باسم حزب الاخوان في اوروبا ـ وكان من بينهم (جمال البنا) و(فهمي هويدي) وحسن روح) و(محمد سليم العوا) من مصر.. فإذا كان قد حدث استقطاب, فهو لم يكن بين العلمانيين والاسلاميين, لأن احدا من الاولين, لم يدافع عن المساس بالاديان, ولأن بعض الاخرين قد شاركوا في ادانة الحملة التي انطلقت من اهداف سياسية ضيقة الافق, ولانها استثمرت الدين استثمارا سياسيا مبتذلا فاساءت اليه, واضرت به وبنفسها بل كانت بين الذين استحلوا لانفسهم اللعب بدين الله على موائد القمار السياسية, وبين الذين اعترضوا على ذلك, حرصا على الاسلام.. وعلى الحرية! بعد تحرير الوقائع اي تدقيقها لابد كذلك من تحرير المصطلحات اي الاتفاق على معانيها فقد شاع خلال العقدين الاخيرين على لسان المنتمين للتيار الاسلامي سواء كانوا ممن يعملون بالسياسة او كانوا من العامة استخدام مصطلح (العلمانيين) للاشارة الى من يعتبرهم هولاء (كفرة) او (ملحدين) وكبديل احيانا على استخدام مصطلح الشيوعيين. ولا يحتاج الامر لذكاء كبير, لكي يدرك كل من يستمع الى هذا المصطلح على لسان معظم الذين يستخدمونه في الاحاديث الاذاعية والتلفزيونية, انهم لا يعرفون معناه, اذ هم يخطئون في نطقه, فيكسرون العين ويسكنون اللام, ويخطئون في تفسيره فينسبونه الى (العلم) مع ان النطق الصحيح له, هو بفتح العين ومدها والمصدر الاصلي له هو كلمة (العالم) وليس (العلم) ولا هو احد المصطلحات اللاهوتية التي تفرق بين (الاكليروس) اي رجال الدين المسيحي وبين غيرهم من اتباع الكنيسة ولعل اقرب ترجمة له هي التي ابتكرها الاستاذ عادل حسين ـ امين حزب العمل ـ منذ سنوات, حيث كان يفرق بين (الدينيين) و(الدنيويين) الى ان لفت البعض نظره الى ان الاسلام لا يأخذ بهذه التفرقة فعدل عنها اما الترجمة الدقيقة فإن تسمى (العلمانيين) بـ (الزمنيين) او بمعنى ادق هؤلاء الذين يؤمنون بأن من حق الناس ان يشرعوا لزمنهم بما يوافق زمانهم, بدلا من ان يشرع لهم رجال الدين. والذين ينسبون العلمانية للعلم, ويعتبرونها ـ لهذا السبب ـ خروجا عن الاسلام, يسيئون اليه, اذ ينسبون اليه انه ضد العقل والذين يعترضون عليها باعتبارها مرادفا للزمنية, ودعوة لأن يشرع الناس لانفسهم بأنفسهم بما يوافق زمانهم, يعارضون بذلك مبدأ استقر في العالم كله وتأخذ به دساتير البلاد العربية والاسلامية القائمة والمندثرة, هو (مبدأ الامة مصدر السلطات) الذي تقوم عليه كل النظم النيابية! ومع ان معظم الذين يشنون هذه الحملة على العلمانية والعلمانيين يسلمون بأن الاسلام لا يعرف حكم رجال الدين الا انهم بوعي او بدون وعي وخاصة في اوقات الزلازل, لا يتورعون عن استنهاض همة المؤسسة الدينية, لكي تتدخل فيما هو من صميم اختصاص الدولة المدنية, فتشرع والقانون موجود, وتقضي والقضاء قائم, وتنقذ الحكم والشرطة اكثر من الهم على القلب ويكشفون عن انهم على عكس مايقولون يعتبرون انفسهم رجال الدين المؤهلين للحكم, بدلا من المؤسسات الدينية الرسمية! وكان ذلك من اخطر ظواهر زلزال الوليمة, الذي نجح فيه فريق من المهيجين المحترفين, في اثارة العوام, ليتخذوا من ذلك وسيلة لابتزاز كل سلطات الدولة المدنية, بما في ذلك المؤسسة الدينية الرسمية, وهي الازهر الشريف, فاندفع الجميع يخوضون معهم المعركة, من دون ان يتبين احد منهم لقدمه قبل الخطو موضعها. ولو ان الذين اطلقوا صرخة: امسك علماني كافر! طبقوا ابسط مبادىء دينهم, لعرفوا الا تناقض بين العلمانية والاسلام, وان الانسان يمكن ان يكون علمانيا ومسلما في الوقت نفسه وان حق الناس في ان يشرعوا لانفسهم بأنفسهم بما يوافق زمانهم لا يعني الخروج على ثوابت العقيدة, وان مدونة الفقه الاسلامي التي ورثناها عن السلف الصالح, هي في الواقع تشريع زمني وضعه هذا السلف لزمانه. ولو انهم تبصروا في الامور, لعرفوا ان العلمانية, تعني ان تكون الامة مصدر السلطات, وان ذلك هو الذي يمكنهم كتيار سياسي ـ من التواجد على الساحة السياسية ثم في المجالس التشريعية عبر صناديق الانتخاب,وانهم بهجومهم على العلمانية, يعطون الذريعة للحكام العرب, لاقصائهم واقصاء غيرهم من الفرق السياسية, عن المشاركة في الحكم او عن توليه اذا ما فازوا بالاغلبية, بل ويثيرون الشكوك لدى هذه الفرق, في مدى اخلاصهم للديمقراطية, وحرصهم عليها ويؤكدون لديها الهاجس الذي يقول بأن تيار الاسلام السياسي, يستغل الديمقراطية للوصول الى الحكم فإذا وصل اليه فسوف يلغي القاعدة الاساسية في اي حكم ديمقراطي, وهي مبدأ الأمة مصدر السلطات ويلغي الانتخابات والاحزاب, باعتبارها اوثانا علمانية, لا يعرفها الاسلام. باختصار فإن رفض الاسلاميين للعلمانية, هو تنازل عن حقهم في الوجود السياسي. اما بقية التوابع فلها حديث آخر