كيف يتزايد الفقراء, وكيف تنمو امبراطوريات المال في العالم؟ اقتصاديات السوق والاحتكارات العالمية وتجارة المخدرات وغيرها مسئولة عن هذا التنامي الخطير للفقر وبالتالي الاحتكار الأخطر للثروة, فبحسب تقرير التنمية البشرية الذي أصدره البرنامج الانمائي للأمم المتحدة أخيرا، فإن حجم تجارة المخدرات وحدها في العالم قد بلغ (400) مليار دولار عام 1994, ناهيك عن بقية الاحتكارات والتجارة اللامشروعة وعلى رأسها غسيل الأموال. ففي عام 1960 كانت النسبة في مستوى دخل الفرد بين الأغنياء والفقراء (20:1) ارتفعت عام 1997 لتصبح (74:1) ما أدى إلى وجود (200) شخص فقط في العالم يمتلكون ثروة تبلغ أكثر من تريليون دولار! أما على مستوى الشركات الاحتكارية فإن الشركات المتعاملة في مجال العملات وحدها تصل احتكاراتها إلى أكثر من 1.5 تريليون دولار يوميا!! ماذا تعني كل هذه الأرقام المثيرة والخطيرة في آن؟ انها تقول باختصار ان نظريات وقوانين منع الاحتكار واتاحة الفرصة للجميع للدخول في حلبة المنافسة كلام لا أساس له من الواقع, فتركيز الثروة في يد عشرات الأشخاص ومجموعة من الشركات ينفي تماما كل قوانين منع الاحتكار حتى هذه التي تتحدث عنها وتبشر بها اتفاقية الجات العالمية. هذه الأرقام التي ضمناها تجارة المخدرات, تدخل فيها أيضا تجارة غسيل الأموال العالمية, وتجارة الأسلحة, والتي لا نمتلك أرقاما محددة لها, لكنها في النهاية تصنع نفوذ جماعات وأفراد في دول مختلفة, كما تفرز على الخط نفسه ظواهر مرعبة أهمها الفساد والحروب القذرة, والارهاب وتمويل الجماعات المتطرفة واحتكار السلطة في المجتمع وفق نظرية (من يدفع أكثر يملك أكثر) ! اما أهم الافرازات فهي ظاهرة الفقر وما يتعلق بها من تدهور عالمي في مستويات المرض, والمجاعات وعمالة الأطفال والأمية, وتفاوت المستوى المعيشي بين سكان كوكب الأرض. حفنة من الرجال يملكون أغلب ثروات العالم ويصنعون كل هذا الفساد وهذه الحروب, ويموّلون الارهاب, ويزيدون في نسب الأوبئة والمجاعات, بينما يتمتعون هم بالسلطة والنفوذ من خلف الستائر المخملية! ثم ماذا بعد؟ كيف يمكن الحديث عن محاربة الفساد وتتبع أصحابه؟ كيف يمكن لأي إدارة مكافحة فساد في الدنيا ان تقف في وجه هذا النفوذ العابر للقارات والمستند إلى حكومات وأنظمة وجيوش يمولها أصحاب المليارات لحماية مصالحهم ودوائر فسادهم؟ لقد نادت الأنظمة الشيوعية والرأسمالية ونادى الإسلام قبلهما بمبدأ العدالة في توزيع الثروة, وتذويب الفروقات الطبقية, والاحتكام إلى مبادئ الديمقراطية ومبادئ الثورة الفرنسية في الحكم والتعايش في المجتمع لضمان مجتمعات أكثر عدلا ومساواة, لكن الواقع يقول عكس كل هذه المقولات تماما.