لم يعد أمام الفلسطينيين مجال للمزيد من الصبر أمام تردي مسيرة التسوية ودخولها متاهات متتالية بالغة التعقيد يتقن الاسرائيليون صنعها واستدراجهم إليها.فشواهد الواقع تؤكد ان المفاوضات الحالية مع اسرائيل المعلن منها والسري والمفترض أن توصل إلى اتفاق حول مستقبل الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس المحتلة بحلول 13 سبتمبر المقبل لن تقدم شيئا له قيمة.ليس هذا من قبيل التشاؤم أو مصادرة المستقبل ولكنه نتاج لخبرة التفاوض مع اسرائيل منذ أوسلو وحتى استوكهولم.. وأصحاب التجربة يؤكدون ذلك, فلم يكن ياسر عبدربه وزير الثقافة والاعلام في السلطة ورئيس فريق التفاوض العلني المستقيل مبالغا حين حذر من كارثة حتمية إذا تم القبول بالمقترحات الاسرائيلية للتوصل إلى حل نهائي مع الفلسطينيين. ومرد ذلك إلى ان هذه المقترحات تنص على اقامة كانتونات فلسطينية معزولة بعضها عن بعض وضم القدس لاسرائيل إلى جانب ضم المناطق الحدودية على امتداد غور الأردن بهدف عزل فلسطين بعضها عن بعض وعن محيطها العربي كذلك مع ابقاء وضع اللاجئين على ما هو عليه ومصادرة حقهم في العودة. هذا التصور الذي تراوغ اسرائيل لفرضه واستطاعت ارهاق المفاوض الفلسطيني - إلى حد الاعياء - للقبول به كفيل باشعال الانتفاضة مجددا في الأراضي الفلسطينية. فهل هذا هو ما يسعى إليه باراك؟ الواقع ان باراك يحاول استثمار مظاهرات الغضب والاحتجاجات الفلسطينية لصالحه واستخدامها ورقة يضغط بها على السلطة الفلسطينية لكسب المزيد من التنازلات, ومطالبة السلطة بقمع هذه المظاهرات التي تعد أبسط حالات التعبير عن رفض الواقع المتردي الذي يحمل نذرا كئيبة. فهل يدرك باراك وذمرته ان تماديه في مراوغاته واصطناع متاهات جديدة سيصل بالداخل الفلسطيني إلى درجة الغليان, ويجعل الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني الذي تتعلق عيناه الآن بتجربة جنوب لبنان - مهيئة لاشعال الانتفاضة مرة أخرى. إذا كان باراك راغبا حقيقة في السلام فعليه الالتزام بالاتفاقات الموقعة وادراك ان السلام الحقيقي لن يتحقق إلا برد الحقوق المغتصبة لأصحابها, والبديل لذلك هو اللجوء إلى لغة القوة التي يفهمها جيدا ولا بديل للفلسطينيين عنها بعد وصولهم لمرحلة نفد فيها صبرهم وصبر الجميع.