الظرف الراهن افضل ظرف لشن حرب عربية ضد اسرائيل. لا اتحدث عن (ميزان القوى الاستراتيجي) وتفوق آلة الحرب الاسرائيلية بالمقارنة مع مثيلتها العربية مجتمعة. اتحدث عن التفسخ الاجتماعي الاسرائيلي المتنامي الذي افرزه تحول الدولة اليهودية من مجتمع عسكري مجيش ومنضبط وصارم.. وايضا متدين الى مجتمع الاسترخاء الاستهلاكي والرفاهية الاباحية. ومن سخرية القدر ان اسرائيل باتت مهيأة لهزيمة عسكرية في الوقت الذي القت (دول المواجهة) العربية السلاح نهائيا اما بسبب ابرام معاهدات سلام مع الدولة اليهودية وضعت نهاية لحالة الحرب معها او التهيؤ النفسي للدخول في معاهدات كهذه. من احدث التطورات ذات الدلالة العميقة في التحول الاجتماعي الذي يجتاح اسرائيل صدور قرار الاسبوع المنصرم من محكمة عليا يبيح شرعية السحاق بين السيدات حتى في اطار علاقة (زوجية) فقد حكمت المحكمة لصالح سيدتين تقدمتا اليها كزوجين في اطار علاقة سحاقية بتبني طفلة على اساس انهما (زوج وزوجة) ! والدلالة العميقة التي ينطوي عليها هذا الخبر هي ان هذه هي المرة الاولى في اسرائيل التي يعترف فيها القضاء بشرعية علاقة السحاق بين النساء.. مما يقود الى استنتاجين: اولا ان ممارسة السحاق في المجتمع الاسرائيلي تحولت الى مستوى ظاهرة متنامية تفرض نفسها على القانون والعرف السائدين. ثانيا, ان الخطوة المنطقية التالية هي اعتراف قانوني بعلاقة مماثلة بين الرجال الذين يمارسون عادة الشذوذ الجنسي. هذه تطورات تنم عن تحولات خطيرة في المجتمع الاسرائيلي المفترض ان يكون مجتمعا متزمتا بالمفهوم الديني. ومما يلفت الانتباه ان نائبا برلمانيا اسرائيليا وصف قرار المحكمة اعلاه بأنه (عار) وانه (يتناقض مع جميع القيم اليهودية) . ونعلم جميعا ان اسرائيل تتميز عن غالبية دول العصر بأنها دولة ولدت على اساس ديني. فهي دولة يهودية اولا واخيرا.. بل ان الدعوى الدينية هي اصلا اساس فكرة انشائها. ان نسيج المجتمع الاسرائيلي يتفكك بصورة اجمالية في اندفاعه على طريق الاسترخاء المادي واعلاء قيم حب الملذات على قيم التضحية التي كانت سائدة في عقدي الخمسينيات والستينيات. فالصحافة الغربية تحفل بالتحقيقات عن انتشار المخدرات بأنواعها في اوساط الشباب الاسرائيلي. تاريخا, ربما ترجع بداية حالة الاسترخاء الاجتماعي في اسرائيل الى نهاية عقد الستينيات الماضي عندما اذهلت الدولة اليهودية العالم بانتصارها التاريخي الساحق في حرب يونيو 67 ضد ثلاث دولة عربية ـ مصر والاردن وسوريا ـ خلال ستة ايام فقط انتهت الى احتلال اسرائيلي لسيناء والضفة الغربية لنهر الاردن بما فيها القدس الشرقية وهضبة الجولان. كان ذلك عهد الجيل (البطولي) الذي انشأ الدولة. اليهودية في اواخر الاربعينيات بعد معارك قتالية ضد الشعب الفلسطيني.. ذلك الجيل الذي كان من ابرز رموزه موشي دايان ومناحم بيجين وغولدا مايير.. وقبلهم ديفيد بن غوريون. لقد اورث انتصار 67 التاريخي اسرائيل شعورا بالاطمئنان المتولد من النشوة والاحساس بالتفوق. ورويدا اخذ هذا الشعور يترسخ.. وبذلك اخذ المجتمع العسكري يتحلل ويتآكل مع تعاقب اجيال جديدة من الشباب الذي لا يعرف الحرب. وجاءت معاهدات السلام تباعا لتؤكد مشاعر الاطمئنان لدى هذه الاجيال على طريق نقله الى مجتمع رفاهية متنعم بالانغماس في الاباحية الجنسية وماتفرز من فوضى. لقد كان الاداء المخجل للجنود الاسرائيليين من اجيال الشباب الجديدة في مواجهة عناصر (حزب الله) في معارك الجنوب اللبناني هو نقيض ما ظهر به المقاتلون الاسرائيلون في حرب 67. لكن المؤسف ان التفسخ الاسرائيلي يقابله على الطرف الآخر زهد عربي عام في الصدام ـ اذا استثنيا المقاومة اللبنانية.