خبرات الحركة الوطنية الفلسطينية في القرن العشرين ، بقلم: عبدالقادر ياسين هنا سادت ظلمة حالكة في مناطق الحكم الذاتي, وسقطت قضيتنا الوطنية في واد سحيق, لا يبدو انها ستخرج منه. السلطة سادرة في غيها, وكل الأحزاب والفصائل أسيرة الشلل والعجز, وقد تملك الارتباك خطاها. فيما استبد اليأس بالشعب. وفرك العدو يديه, فرحا وحبورا, ونام ليله الطويل, مطمئنا إلى تدهور أوضاعنا. فيما بدا خروجنا مستحيلا من إسار (اتفاق أوسلو) , وذيوله الجهنمية, مع تردي أوضاعنا, في اضطراد, وهي تسير في الطريق الصحيح إلى الهاوية. إن ما جرى في أوسلو فاق أشد التصورات تشاؤما. وترتب عليه زيادة معاناة شعبنا في مناطق الحكم الذاتي, في مجالات شتى, فمن اتساع دائرة البطالة, إلى تدني مستوى المعيشة, إلى القيود التي استجدت على تنقل الناس من الضفة إلى القطاع, وبالعكس. على انه ما كان للناس إلا أن تحتمل هذا كله, وأكثر, ضريبة لا مفر من دفعها في سبيل الوطن. لكن الوطن تراجعت قضيته, باضطراد. الأمر الذي استفحل مع تورط سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود في مظاهر غير مسبوقة من الاستبداد, والفساد, والقمع. ما أسلم الناس إلى القنوط, بعد كل ما بذلوه من تضحيات, على مدى عقود طويلة. التراجع الاقتصادي, والسياسي ملحوظ, ومتزايد في مناطق الحكم الذاتي. ما يتطلب التحرك السريع لمواجهته. لكن الفصائل والأحزاب أعجز من ان تنهض بهذه المهمة, بينما السلطة غير مؤهلة لهذه المواجهة, لانها, أساسا, من مارس تلك الانتهاكات للديمقراطية. أما الشعب فقانط, فاقد الثقة في كل الأحزاب والفصائل, بعد أن تجلى عجزها, على مدى زهاء عقد من السنين. مع ذلك, الأمر ليس عصيا على الحل. ومن أراد التحرك في الاتجاه الصحيح, فربما عليه أن يبدأ في الانحياز للشعب, مع الحذر من الدخول في مواجهة مع السلطة. ذلك ان اسقاط هذه السلطة ليس ضمن أهداف الحركة الوطنية الفلسطينية, أساسا لان اسرائيل والإدارة الأمريكية لن تسمحان باسقاط تلك السلطة. لذا فعلى من يريد أداء سليما, عليه التحرك بعيدا عن السلطة. مع الحذر من التوهم في ان بمقدورنا تحقيق انتصارات, في المدى المنظور, بل ان المتاح لا يتعدى - في أحسن الأحوال - تخفيض معدلات خسائرنا, على نحو يشبه وضع الحصوة في طريق الصخرة المتدهورة للقضية الوطنية, علَّه يكون في قدرة الحصوة الصغيرة إيقاف تدهور الصخرة بكل ضخامتها. إننا في مرحلة تتطلب مراكمة النجاحات, كلما كان ذلك ممكنا, مع محاولة تضييق دائرة خسائرنا, كلما تحتمت الخسائر. وصولا إلى ترجيح كفة النجاحات على كفة الاخفاقات. تتمثل الخطوة الأولى في الدعوة إلى تشكيل لجان في كل حي, وقرية, ومخيم, وجامعة, من أجل التصدي للانتهاكات المشار إليها عاليه. فمثل هذا التصدي سيعيد الاعتبار للمعارضة ويرد الروح للشعب, الذي سيلمس بأن ثمة راد لارادة السلطة, وستتعمق ثقة الشعب في جدوى الاتحاد في مواجهة المظالم. عدا عن ان هذه ستكون الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح, ستغدو هذه الخطوة المتواضعة نقطة فرز صحية, حيث سينضم إليها أناس من معسكر السلطة, فيما تفقد المعارضة عناصر منها, بالمقابل, يلتحقون بعناصر بالسلطة, مما سيستحدث اصطفافا صحيحا, فيما يعمد الشعب إلى مد اللجان بدماء جديدة, مع كل نجاح تحققه هذه اللجان. هنا تتراجع الأنانية التي استبدت بالناس في الضفة والقطاع, وستتوفر لفصائل الحركة الوطنية تربة خصبة لتجديد بناها, قبل توحيد فصائل هذه الحركة. إلى ذلك يمكن لنجاحات تلك اللجان أن تحرض السلطة على تصحيح مسارها, وتطهير صفوفها, وتصليب عودها في المفاوضات مع عدو الأمة. مثل هذه اللجان توحد الشعب حول نخبة وطنية, على فكرة جامعة, وتزيد ثقة فصائل الحركة الوطنية في نفسها, بعد أن تكون استقوت بالشعب, الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه من أجل اجتراح برنامج سياسي سليم, يمتد من النضال الديمقراطي, الى لقمة العيش, ناهيك عن القضية الوطنية, التي ابتليت بأداء حرمها من عمقها العربي, وارتكب خطيئة اغتيال هدفها الاستراتيجي (تحرير فلسطين). كما ان تجديد شباب الحركة الوطنية سيدفعها إلى نسج تحالفات صحيحة في الداخل والخارج, وعلى حد سواء. وفي خلال هذا كله ستولد قيادة جسورة, تمكنت من نظرية الثورة, ومن قراءة صحيحة لواقعها, وواقع أعدائها, فضلا عن المجالين الاقليمي والعالمي. مع الدأب على التناغم بين الداخل والخارج الفلسطينيين, لضمان وحدة الشعب. إلى ذلك سيصب كل تحسن في أي من المجالين, العربي والدولي, في طاحونة القضية الفلسطينية. ففلسطين جزء حميم من الوطن العربي, وبرامجها أحد مكونات المشروع النهضوي العربي, المستند إلى الديمقراطية, والتنمية المستقلة, كما انها ضمت حركات التحرر الوطني العالمية, والمعسكر التقدمي في العالم. بعد هذا الاستعراض المقتضب, ربما كانت الاستفاضة هنا سابقة لأوانها, فبعد النجاح المرجح في عمل اللجان, لكل حادث حديث. فنحن أمام قضية بالغة الصعوبة, والتعقيد, لن يتوقف الصراع مع العدو فيها, إلا بالتحرير, وفلسطين مستقلة ديمقراطية.