هل كانت صدفة أن يأتي إلينا صوت (أم كلثوم) وهي تغني قصيدة (الأطلال) للدكتور (إبراهيم ناجي) في ذلك المكان الموحش البعيد؟.. هل كان مناسبا أن نسمعها في تلك اللحظات وهي تشدو (يا فؤادي لا تسل أين الهوى.. كان صرحا من خيال فهوى.. اسقني واشرب على اطلاله.. وأروي عني طالما الدمع روى) . كانت سيارة الاتوبيس تئن تحت شمس حارقة وهي تحملنا من مدينة (الخارجة) عاصمة (الوادي الجديد) إلى مكان بعيد في الصحراء ـ التي تحتل ما يقرب من نصف مساحة مصر ـ حيث مشروع أثار الجدل والقلق وأصبح معلقا مثل البيت (الوقف) والزوجة (الناشز) والاطلال القديمة هو مشروع (فوسفات أبو طرطور) الذي كلف الخزانة المصرية 5.6 مليارات جنيه في أقل التقديرات ويحقق خسائر لا تكفي لتغطيتها حصيلة بيع المادة الخام التي تخرج من بطن الارض. كنت مرافقا لبعثة تقصي حقائق دعت لها لجنة الصناعة في مجلس الشورى لتحديد مستقبل هذا المشروع.. هل يستمر ونواصل تحمل النزيف؟.. هل يغلق وتتركه اطلالا تنعي العشوائية القومية التي تنفرد بها؟.. هل يتطور ونضخ فيه أموالا هي بمثابة دماء جديدة في شرايين جافة؟.. هل تحاسب الذين أهدروا المال العام وتركوا رمال الصحراء تبتلع كل هذه المليارات؟ لم أكتف أن أسمع رئيس اللجنة محمد فريد خميس ووزير الصناعة مصطفى الرفاعي ومحافظ الوادي الجديد سلمي سليم, وإنما سمعت الفنين والخبراء والعمال ايضا, بعيدا عن مظاهرات الترحيب الرسمية والخطب الحماسية, وركبت سيارة نيفا روسية قديمة اخترقت قلب المنجم واحشائه لعدة كيلومترات وسط جو يغطيه الغبار, ويهدد بالاختناق, وقد وضعت على رأسي (خوذة) عليها مصباح يعمل بالبطارية ينير فقط تحت أقدامنا. ان البحث عن الحقيقة يحتاج إلى ضمير قاض, وخبرة عالم, وصبر زاهد, وحلم شاعر, وموضوعية كاتب, وشجاعة حكومة تعترف بالخطأ, وتقبل دون تردد تصحيحه. والحقيقة أن عمر هذا المشروع يرجع إلى 30 سنة إلى الوراء, وعاصرته 12 حكومة, من حكومة الدكتور محمود فوزي التي ولد المشروع كحلم على يديها إلى حكومة الدكتور عاطف عبيد التي سقط المشروع كمشكلة في حجرها, والمشروع نفذه السوفييت يوم كانت بلادهم لاتزال دولة عظمى, وقدموا ماكيناته ومعداته بحوالي 300 مليون جنيه استرليني حسابي, وكان الجنيه الاسترليني الحسابي يساوي 4 جنيهات, أي المعدات والماكينات تساوي 1200 مليون جنيه مصري, ولم تدفع الحكومة الثمن للسوفييت مباشرة, وإنما دفعته لرجال اعمال مصريين قاموا بتصدير سلعهم ومنتجاتهم إلى السوفييت بقيمة ماكينات ومعدات المشروع, حسب قواعد ما كان يسمى بالصفقات المتكافئة, أي أن الذي خرج بكل (الحمص) من هذا المولد بعض رجال الاعمال, وهو ما يثير علامات استفهام لا أحد يريد أن يجيب عنها, ويصر وزير الصناعة على أن ينفذ القاعدة الرسمية السائدة ـ عفا الله عما سلف ـ, وأن كان بعض اعضاء مجلس الشورى وعلى رأسهم المستشار فتحي رجب يرى أن التحقيق في هذه النقطة هي ضربة البداية في تقييم المشروع. أما باقي تكلفة المشروع ـ وهو ما يزيد على أربعة مليارات جنيه ـ فقد انفق على البنية الاساسية وعلى مرافق عامة لا تخدم المشروع فقط وإنما تخدم تلك المنطقة المحرومة من الخدمات منذ أن خلق الله الارض ومن عليها, فقد مدت خطوط سكك حديدية بطول 200 كيلومتر من مدينة الخارجة إلى مدينة اسيوط, وهو ما يعني أن الصحراء المصرية الشاسعة قد اتصلت بالوادي لأول مرة في التاريخ, ومدت خطوط سكك حديدية من مدينة الخارجة إلى موقع المشروع في أبو طرطور بطول 60 كيلو مترا, وهذه الخطوط الحديدية يمكن أن تستعمل في نقل الركاب ايضا, ومدت شبكات كهرباء الضغط العالي من اسيوط إلى الخارجة, وبني ميناء في سفاجة لتصدير خام الفوسفات, بخلاف شبكة الطرق, وحفر 11 بئرا للمياه, ومدينة سكنية للعاملين في المشروع والذين يصل عددهم إلى 3000 عامل, وهذه المرافق يمكن أن تكون قاعدة استثمارية لاستغلال موارد المنطقة وتطويرها ورفع كثافة سكانها التي لا تزيد على 120 ألف نسمة تعيش على ما يقرب من نصف مساحة مصر كلها, وهو الدور الذي على الصندوق الاجتماعي أن يلعبه إذا كنا حقا نريد أن نخرج من الوادي الضيق كما نقول في الصباح والمساء, إنها فرصة جاهزة لخلق مشاريع صناعية صغيرة وسريعة العائد وكثيفة العمالة. ان التكلفة الاساسية والرئيسية للمشروع انفقت على هذه المجالات الحيوية ولم تنفق مباشرة على المشروع, مما يعني أننا نظلم المشروع لو قلنا أنه تكلف كل هذه المليارات, أن تكلفة المشروع الخالصة لا تزيد على المليار ونصف المليار جنيه, وهي تكلفة تتضمن ثلاثة خطوط للانتاج, لا يعمل منها إلا خط واحد فقط, ومن ثم يعمل المنجم بثلث طاقته التي تصل إلى 7 ملايين طن سنويا حسب دراسات الجدوى السوفييتية والفرنسية والكويتية, بينما يصل الاحتياطي العالمي إلى 200 مليون طن في باطن الارض, وقد اقترحت أوكرانيا أن تمول تكلفة تشغيل الخط الثاني مقابل تصدير 600 ألف طن إليها. أما سر الخسارة التي تنسب إلى المشروع فهو أن المشروع يكتفي بتصدير خام الفوسفات فقط, دون أن يتحول هذا الخام إلى أحماض ومواد كيماوية أعلى سعرا وأكثر قيمة, مثل حامض الفوسفوريك الذي نستورده من الخارج ويدخل في كثير من الصناعات الكيميائية والدوائية والغذائية, ومثل مادة (الفلور) التي تستخدم في صناعة الارضيات, ولسنا في حاجة لأن نقول أن بيع المواد الخام لا يقارن ببيع المنتجات نهائية الصنع المستخرجة منها. بل أن حجم تصدير الخام ليس بالكميات التي كانت متوقعة, لقد كان مقدرا أن ينتج المشروع 7 ملايين طن سنويا, تصدر ستة منها إلى الاتحاد السوفييتي, ويذهب الباقي لصناعة الاسمدة في مصر, لكن.. انهيار الاتحاد السوفييتي أدى إلى انهيار السوق الرئيسي لفوسفات أبو طرطور. وفشلت الشركة في فتح اسواق جديدة منافسة للفوسفات المغربي والاردني والتونسي والاسرائيلي, ومع تراكم فوائد البنوك التي وصلت إلى 2500 مليون جنيه, ومع تحميل تكاليف البنية الاساسية على كل طن فوسفات ينتجه المشروع بدا أننا أمام كارثة بكل مقاييس العقلاء والمجانين. كذلك فإن أحدا لم يفكر في استخراج اليورانيوم والثوريوم والرديوم من الفوسفات, وهذه هي الثروة الحقيقية في الفوسفات, وقد قال الدكتور رجائي زغلول الخبير بهيئة الطاقة النووية: أن من المصلحة التقليل من سماد الفوسفات في الزراعة لأن نسبة زيادة المواد المشعة زادت في التربة المصرية بسبب عناصر اليورانيوم والثوريوم والرديوم الموجودة في الفوسفات, وهو ما تحذر منه الآن قوانين البيئة, والافضل استخراج هذه العناصر من الفوسفات بصورة تجارية, أن كل 300 ألف طن من الفوسفات الخام تعطينا 12 طنا من اليورانيوم بسعر 2500 دولار, وهو ما يقفز بالقيمة الاقتصادية للمشروع من الارض إلى السماء, وهو ما يحوله أيضا من مشروع اقتصادي إلى مشروع استراتيجي. وربما لا نعرف أن أول يورانيوم حصلت عليه اسرائيل في مشروعها النووي كان تراكمات ورواسب الفوسفات في صحراء النقب, كان ذلك في عام ,1945 قبل انشاء الدولة, فقد استدعى ديفيد بن جوريون علماء الفيزياء اليهود في جامعات وارسو وبوخارست وبرلين وبراج إلى (أرض الميعاد) واغراهم بتحقيق حلم (الوطن القومي) , وكان على رأس هؤلاء العلماء ـ الذين خضعوا لمكتب التخطيط في وزارة الدفاع ـ ارنست بيرجمان (الذي اصبح فيما بعد أول رئيس للجنة الطاقة النووية) وإسرائيلي دوسترفسكي, وقيل من باب التمويه والتغطية أنهم كانوا يجمعون الفراشات النادرة والملونة في الصحراء. وربما لا نعرف أن الحكومة المصرية رفضت عرضا من شركة اسرائيلية (اسمها أجرى فوس) جاءت تحت غطاء شركة فوسفات تونسية تعمل في الاسمدة الزراعية لاستغلال مناجم فوسفات ابو طرطور, وكان العقد مغريا وجاهزا, ولكن.. كان الضمير الوطني يقظا وواعيا, فلم يتم التوقيع, وهناك من يقول أن اسرائيل تمارس ضغوطها في السوق الدولية لعرقلة تسويق الفوسفات المصري التي تعرف أهميته وخطورته وتحلم بالسيطرة عليه, وربما يكون ذلك حقيقة, وربما يكون ذلك شماعة من الشماعات التي نعلق عليها عيوبنا وأخطاءنا . وهكذا.. نحن أمام عدة احتمالات لمشروع عملاق يحتضر: 1- ان نتركه يحتضر وندفنه في الصحراء البعيدة التي ستظل مقبرة المشروعات العملاقة ونكف عن صداع الكلام عن الخروج من الوادي الضيق. 2- أن يعاد النظر في درجة نقاء الخام بحيث نرفع درجة جودته بالتخلص من الشوائب, وأن يعاد النظر في الحجم غير الاقتصادي لانتاج وبيع الفوسفات الخام (حوالي مليون طن سنويا يباع 20% منه فقط) بأن يصل الانتاج لحده الاقصى وهو 7 ملايين طن سنويا قابلة للتصدير بواسطة شركات خارجية محترفة دون أن تحمل المشروع تكاليف البنية الاساسية التي استفادت منها بالقطع منطقة الوادي الجديد ويمكن أن تكون قاعدة لمشاريع أخرى, ويشجع على هذا الرأي أكبر خبير مصري في الفوسفات هو الدكتور حسن الشال وهو مهاجر يقيم في فلوريدا بالولايات المتحدة الامريكية وتستفيد من خبراته كل مشاريع الفوسفات في العالم إلا مشروع أبو طرطور, فلا كرامة لنبي في وطنه, والولي البعيد سره باتع, وقد حضر الدكتور حسن الشال الجلسة الخاصة التي عقدتها لجنة الصناعة في مجلس الشورى يوم الاربعاء قبل الماضي بعد عودة اللجنة من الوادي الجديد بعشرة أيام وكان ما قاله مفاجأة للجميع. 3- أن يعاد النظر في الحجم الاقتصادي لانتاج خام الفوسفات مع ضخ استثمارات جديدة لتصنيع الاحماض من الفوسفات واستخراج العناصر الحيوية والاستراتيجية منه, وتقدر هذه الاستثمارات بنحو 1500 مليون دولار, وهو ما يقترب من 6 مليارات جنيه أخرى, ولكن.. لن تدفعها الحكومة ـ وقد اعلن رئيسها الدكتور عاطف عبيد بوضوح وقال أنه لن يضخ مليما واحدا في المشروع ـ وإنما يدفعها رأس المال الخاص المصري والاجنبي, وقد كشف وزير الصناعة عن ترحيب 4 شركات عالمية (من 16 شركة أرسلوا لها الاوراق) بفكرة المجمع الكيميائي بمناجم أبو طرطور, وكشف عن عرض بثلاثة مليارات جنيه تقدمت بها إحدى هذه الشركات, لكنه لم يكشف عن اسمها أو عن جنسيتها. على أنه رغم الحماس الذي اعترى الجميع فإن الحماس وحده ليس كافيا, فكل المناقشات حول المشروع جرت دون ارضية من الملفات والوثائق التي تروي ما جرى وتكشف ما كان, ومن ثم كانت الآراء تضرب يمينا وشمالا دون أن تمتلك بوصلة تحديد الاتجاه الصحيح, أو أولى الخطوات الواقعية التي تجعل أقدامنا ثابتة على الارض هو أن نقرأ الوثائق ونفحصها ونحدد الامكانيات ونقيمها, ثم لابد من التوقف طويلا للمراجعة والمحاسبة, لابد أن نحسم كل ما يتردد في كواليس رجال الاعمال عن الذين استفدوا من وراء المشروع وعلاقاتهم الشخصية والعائلية بمن وافقوا عليه, أن الشفافية هي الفريضة الغائبة هنا ولا يمكن أن نثق في أي خطوة لإخراج المشروع من مأزقه ما لم نشعر أن الشفافية تغطيه من جميع الجهات, وأنه لو كان هناك من أخطأ أو كسب دون وجه حق فعلينا أن نعرفه ونحاسبه, أن سمعة المشروع المفقودة يجب أن تعود, وإلا لن نجد أحدا يقترب منه حتى لو كانت هناك مكاسب محتملة من ورائه. والاهم.. أن تكون هناك دراسة جدوى, ودراسة لمصادر التمويل بعيدا عن الخزانة العامة التي لا تحتمل الآن ـ بسبب أزمة الركود وأزمة السيولة ـ أي أعباء اضافية أخرى, ولو كانت البنية الاساسية قد اضافت عناصر جذب جديدة للمنطقة, فهل نكتفي بترديد ذلك لنغسل أيدينا من المليارات التي انفقت أم نسارع بوضع خطة عاجلة لجذب الاستثمارات الصغيرة إلى هناك وقبل أن تردم رمال الصحراء الآبار وخطوط السكك الحديدة وتحول المساكن والمناجم إلى أطلال لا يصلح معها حتى صوت (أم كلثوم) ؟ لقد سبق أن عرف الوادي الجديد مشروعا للزراعة في الستينيات, فجاءت هيئة تعمير الصحاري, وشقت الطرق, وحفرت الآبار, وبنت مساكن بالمئات, وبعد أن ابتلعت الرمال الملايين توقف المشروع, ويومها قيل أيضا: أنه يكفى أننا أقمنا محافظة جديدة هي محافظة الوادي الجديد, لكن.. بقيت هذه المحافظة الشاسعة على حالها, صحراء, قاحلة, لم يزد عدد سكانها على 120 ألف نسمة, بقيت اسما على غير مسمى, فلا هي واد جديد, ولا سكانها غيروا حياتهم التي عرفوها منذ آلاف السنين, فقد ظلوا يعيشون على تربية الخراف وتصنيع النخيل, ولا تعامل إلا بحذر مع الغرباء, سواء كان هؤلاء الغرباء معتقلين سياسيين ألقوا بهم في هذا المنفى, أو سياح يستحمون في عيون المياه المعدنية. ان خيوط مشروع أبو طرطور تتشابك وتتعقد وكأنها كرة خيط تعبث بها طفلة شقية, ولا أمل في فك هذه الخيوط وإعادة استعمالها إلا بالعقل والعلم والخبرة واعطاء العيش لخبازه الذي اتصور أنه لن يأكل إلا ربعه حسب القواعد المعمول بها في المخابز المحلية والشركات الاستثمارية.