بقلم: احمد عمرابي في تناغم عجيب التقت المعارضة المسيحية اللبنانية مع اسرائيل ومع الولايات المتحدة عند نقطة تجمع: المناداة بصوت عالٍ بتصفية الوجود السوري في لبنان. صاح اولا من باريس العماد ميشيل عون الذي يقول انه في منفاه يمثل معارضة لبنانية اطلق عليها (التيار الحر) , وهي تتكون في الحقيقة من قيادات وجماهير طلابية مارونية. ثم تبعه ايهود باراك مكررا نفس المطالبة, وانبرت السيدة مادلين اولبرايت وزيرة خارجية الولايات المتحدة حيث دعت لبنان خلال الاسبوع في اشارة واضحة الى سوريا الى (التحرر من كل القوات الاجنبية) . واذا كانت هذه الدعوة الثلاثية المريبة قد اتت في مناسبة الانسحاب الاسرائيلي المذل من الجنوب اللبناني تلاحقه الضربات الموجعة للمقاومة اللبنانية بقيادة (حزب الله) فان التاريخ القريب جدا يفيدنا من ناحية ان التوجه الامريكي تجاه المشهد اللبناني القائم على تواطؤ مع الدولة اليهودية وتحيز كامل الى طائفة دينية لبنانية بعينها ضد طائفة دينية اخرى لم يطرأ عليه اي تغيير... وبالتالي فان واشنطن من ناحية اخرى لا تأخذ مواعظ التاريخ مأخذا جديا. ففي عقد الثمانينيات القريب ايدت الولايات المتحدة عملية الغزو الاجتياحي الاسرائيلي الكبير للبنان في صيف عام 1982... ثم في العام الذي تلاه تدخلت بنفسها عسكريا في المسار الدموي للحرب الاهلية اللبنانية لصالح الطرف الماروني ضد المليشيات الاسلامية. في كتابهما بعنوان (الاكتساح) يروي الكاتبان الامريكيان جين ماير ودويل ماكمانوس انه بعد ان اعطى مجلس الوزراء الاسرائيلي عام 1982 الضوء الاخضر لخطة رئيس الوزراء انئذٍ مناحيم بيجن لاجتياح الاراضي اللبنانية في غزو مكشوف باسم (عملية سلام الجليل) شخص وزير الدفاع الجنرال ارييل شارون الى واشنطن حيث اطلع وزير الدفاع الامريكي الجنرال الكساندر هيج على الخطة... ومن ثم عرضت الخطة بتوصية من الوزير الامريكي على الرئيس رونالد ريجان فاعطى بدوره الضوء الاخضر الامريكي. وهكذا جرى تدمير لبنان بدعم امريكي كامل. من حيث النتائج السياسية فشل الغزو تماما. وكان من احدى هذه النتائج هجوم استشهادي لبناني في العام التالي على الثكنات الامريكية في بيروت راح ضحيته 241 جنديا امريكيا. لقد كان التدخل العسكري الامريكي في عام 1983 موجها ضد الوجود السوري في لبنان بقدر ما كان موجها ضد قوات المليشيات الاسلامية. آنذاك كان جهاز الحكم اللبناني تطغى عليه سيطرة مارونية. وكان الهدف الامريكي الازدواجي هو تعزيز الجيش اللبناني الخاضع لقيادة مارونية في حربه ضد القوات الوطنية الاسلامية.. وفي الوقت نفسه حمل القوات السورية على الجلاء عن لبنان الحرمان المليشيات الاسلامية من الدعم السوري. في هذا الصدد, تقول صفحات التاريخ, ان المذكرة السرية التي رفعت الى الرئيس ريجان واتخذ بناء عليها قرار التدخل العسكري الامريكي في لبنان حملت تحذيرا نصه كما يلي: (اننا على وشك رؤية نقطة تحول خطيرة سوف تقود خلال ايام معدودة الى استيلاء سوريا على لبنان بالكامل) . وهكذا وصلت السفن الحربية الامريكية الى الساحل اللبناني... وهبطت قوات (المارينز) الى بيروت. وما هي إلا اسابيع واقتحمت شاحنة محملة بالمتفجرات يقودها استشهادي اسلامي الثكنات الامريكية. لكن يبدو ان واشنطن لا تتعظ بتجارب التاريخ... رغم انه تاريخ ليس ببعيد. فالانسحاب الاسرائيلي المتعجل في الجنوب اللبناني اليوم في عام 2000 ليس الا نسخة منقحة للانسحاب الامريكي المذعور من لبنان قبل 17 عاماً. وقد يبدو لعين الرائي المتعجل ان عناصر المشهد ما بين عام 1983 وعام 2000 لم تتغير, لكن الرائي ذو العين المدربة سوف يلحظ ان هناك اختلافا كبيرا بين صورة الامس وصورة اليوم. ففي هذه الاثناء تحولت المقاومة الاسلامية اللبنانية من صبي هاوٍ الى عملاق محترف.