الانقلابات العسكرية التي كانت الصفة المميزة لعقود طويلة من النصف الثاني من القرن العشرين في بلاد العالم الثالث أو المتخلف, وبشكل خاص في أمريكا اللاتينية وأفريقيا, يبدو أنها لم تنته إلى (سلة التاريخ) كما كان يعتقد البعض, أو كما كنا جميعا نأمل أن يخلو منها القرن الواحد والعشرون الذي نخطو في بداياته. بل أن تلك الانقلابات التي كان يقودها العسكر, والتي كانت تخطط لها القوى الاستعمارية الغربية كبديل لسيطرتها المباشرة التي توارت أردية ديمقراطية, وترفع شعارات من ماركة (الديمقراطية الغربية) , وتحول خلالها العسكر إلى العمل في ثياب مدنية أو تحت طلب دكتاتوريات ديمقراطية مدنية. مجرد نظرة واحدة على خارطة ذلك العالم المتخلف تؤكد هذا, حيث أن معظم دول أفريقيا لا تزال تحت سيطرة حكام (ثوار) وصلوا إلى السلطة باسم شعارات التحرر من الاستعمار, وبناء عالم جديد من المساواة , لينتهوا جميعا إلى دكتاتوريات باسم (الثورة الدائمة) والهروب من عودة الاستعمار. والحال لا يسر كثيرا إذا ما التفتنا بعيوننا باتجاه ذلك العالم المتخلف الذي يسكن غرب الاطلسي, والذي يشكل جنوب العالم الجديد, بينما الشمال تتربع عليه الديمقراطية الأمريكية, فإن تلك الديمقراطية تدوس بقدميها على جنوب ذلك العالم الجديد, وتمارس فيه كل مساوئ نسقها الديمقراطي المعروف, الذي لا مكان فيه لغير الأثرياء و ذوي البشرة البيضاء. تعيش أمريكا اللاتينية في ظلال أنظمة تتراوح ما بين دكتاتورية الأحزاب, كما هو الحال في المكسيك التي يحكم فيه حزب واحد بشكل دكتاتوري طوال ما يزيد على سبعة عقود, أو دكتاتوريات عسكرية سابقة تخلت عن (نياشينها) البراقة, واستعراضاتها العسكرية, و عادت إلى السلطة عبر الطريق الديمقراطي, كما هو الحال في الإكوادور وجواتيمالا أو فنزويلا, أو دكتاتوريات (الثورة الدائمة) كما هو الحال في كوبا, التي تحول فيها فيدل كاسترو إلى (شرعية ثورية) مستديمة, دون أمل في التحول يوما إلى نظام مدني. أو دكتاتوريات مدنية تخفي من تحت ثيابها المدنية كل مساوئ العسكر, بل وتعيش تلك الدكتاتورية في كثير من الأحيان كقناع لهؤلاء العسكر الذين انتهى دورهم (رسميا) , ولكنهم لا يزالون يسيطرون عمليا, ويبدو أن متطلبات تلك الحقبة اقتضت منهم التراجع مؤقتا عن الصف الأول, ولكن تظل سيطرتهم من خلف الستار. وأبرز تلك الأنظمة التي يتمتع فيها العسكر بتلك الصفة الأخيرة التي يحكمون بها العديد من أوطان أمريكا اللاتينية من خلال (القناع المدني) يوجد في البيرو, وقناعهم المدني هو الرئيس ألبيرتو فوجيموري ذلك المهندس الزراعي الذي استغل ثغرات قوانين (الديمقراطية) في بلاده ليتقدم للترشح لرئاسة الدولة دون أن يكون من ورائه حزب معروف أو قوة بارزة تدعمه, في مواجهة الكاتب الشهير (ماريو بارجاس يوسا) الذي كان يدعمه تاريخ من المواقف الموالية للولايات المتحدة والغرب, بعد أن تخلى عن (يساريته) التي جلبت له الشهرة ككاتب ليعتنق شعارات اليمين بحثا عن دور سياسي فشل في تحقيقه, على الرغم من أنه كان مدعوما من جانب حزب يميني قوي ومسيطر, إضافة إلى أكبر سبعة بنوك محلية تسيطر على اقتصاد البيرو, حتى أن المحللين غير العارفين ببواطن الأمور تعاملوا مع فوجيموري وقتها على انه مجرد (موهوم بالشهرة) , يبحث عن دور في لعبة وسائل الإعلام الغربية التي تقيم في مثل هذه المناسبات سيركا حقيقيا, لأن كل الأوراق الرابحة كانت تبدو في يد مرشح الرأسمالية ماريو بارجاس يوسا. إلا أن المهندس المجهول وصل فجأة إلى السلطة في البيرو, وأقسم يمين الحفاظ على (الوطن والدستور) في 28 يوليو ,1990 لكن هذا القسم لم يمنعه من الانقلاب على الدستور نفسه بعد عامين فقط من توليه السلطة في ظله, ولأن الانقلاب الذي قاده (الرئيس) ضد نفسه كان بقيادته وبدعم من القيادة الرئيسية لجيش البيرو, فقد بدا واضحا انه خلال العامين الأولين من توليه الرئاسة لم يكن مهتما بإدارة أمور البلاد بقدر اهتمامه استطلاع المناخ المحيط وعقد تحالفات مع القوى المؤثرة في كرسي الحكم. خلال تلك الفترة فهم المهندس الزراعي المنحدر من أسرة يابانية, وان كان شعبه يسميه (الصيني) نظرا لملامحه الآسيوية, أن الديمقراطية التي فتحت الطريق أمامه نحو السلطة ليست سوى الشعار, وان الحقيقة في ممارسة السلطة مرتبطة برضاء الجيش ورأس المال, لذلك سرعان ما تحالف مع الجيش ليبقى في السلطة أطول فترة ممكنة. وبما أن المرشح المنافس له كان مدعوما من رأس المال المحلي فقد بحث فوجيموري عن الدعم المالي في الشركات الأجنبية والمتعددة الجنسية, تلك الشركات التي قدمت له زعيم جبهة (الدرب المضيء) المتمرد على طبق من ذهب, ليحقق أكبر ضربة حقيقية ضد تلك المنظمة الثورية التي تعب الشعب البيروفي من أعمالها التي كانت تؤثر سلبا على الاقتصاد الوطني, فالقبض على الزعيم الثوري تم بالتواطؤ بين السلطة وإحدى وسائل الإعلام الألمانية التي تسيطر عليها شركات لها استثمارات مهمة في البيرو, ويهمها دعم قواعد الكرسي الذي يجلس عليه فوجيموري. خدع أحد الصحفيين الألمان العاملين في تلك الوسيلة الإعلامية زعيم الدرب المضيء لإجراء حوار معه, وعندما التقيا كانت قوات فوجيموري في انتظاره. بعدها بدأ فوجيموري يسير باتجاه تثبيت قواعد حكم دكتاتوري فردي يرتدي ثيابا مدنية, ولكنه مدعوم من الجيش الذي وجد في تطلعات الرئيس السلطوية افضل طريقة لممارسة السلطة من وراء الستار في عصر بدا أنه ضد الانقلابات العسكرية. بدلا من أن تكون فترة رئاسة فوجيموري خمس سنوات فقط كما يقول الدستور الوطني للبيرو, تحولت إلى عشر سنوات بعد أن تم تغيير مادته الرئيسية التي كانت تحرم إعادة انتخاب الرئيس لفترة ثانية, مع إجراء تغيير تلك المادة أصبح من حق فوجيمو ري أن يعيد ترشيح نفسه لمرتين وليمضي عقدا كاملا من الزمان في السلطة, بل أنه تمادى في طغيانه ضد الدستور الوطني ليمحو من رئاسته الفترة السابقة على الانقلاب الدستوري, فإذا بالشعب يجد أن الرئيس حكم فترة لا تحتسب من عمره, لكنها جزء من عمر الشعب البيروفي نفسه, تبعها بخمس سنوات أخرى كفترة (أولى) طبقا لرؤية الرئيس وتابعيه, مع أنها كانت تعتبر الفترة الثانية في عرف الدستور. يبدو أن المهندس الزراعي عشق الكرسي الذي جلس عليه تلك الفترة, فقرر ألا يتخلى عنه بسهولة, و قرر أن يمارس نظاما دكتاتوريا حقيقيا ضد كل من تسول له نفسه مجرد التفكير في تذكيره بأن فترات رئاسته التي وضعها بنفسه في مواد دستورية قد انتهت, وأن عليه أن يسلم السلطة لمرشح جديد. قام بإقصاء قضاة المحكمة العليا الذي عارضوا ترشيحه لفترة ثالثة ووضع مكانهم من أيدوا تفسيره لمواد الدستور, ومارس الضغوط والإرهاب ضد وسائل الإعلام التي كانت تذكره بمواد الدستور التي (تحرم) ترشيحه لفترة ثالثة, فأغلق بعضها وحاصر بعضها الآخر, وأوعز لبعض رؤوس الأموال المستفيدة من حكمه بشراء ما استطاعت من قنوات تليفزيونية وإذاعات خاصة, فيما تكفل الجيش بأجهزته السرية بإسكات الأصوات التي تحاول الحديث باسم المعارضة لإعادة ترشيح الرئيس مجددا رغم أنف الدستور. على الرغم من ذلك تمكن الاقتصادي غير المعروف سياسيا (أليخاندرو توليدو) من البروز فجأة على الساحة السياسية, وأجبر الرئيس على الدخول في جولة انتخابية ثانية, على الرغم من (التزوير) الذي أثبته المراقبون الدوليون في عملية الانتخابات التي جرت قبل أسبوعين. وبما أن ألاعيب فوجيموري وتعلقه بالسلطة ومساندة العسكر له بدت واضحة تماما, بما يؤكد أنه على استعداد لاستخدام كل الوسائل الممكنة لإ بعاد منافسه, وهو الأمر الذي دفع المرشح المنافس إلى أن يطالب بضمانات بحرية التصو يت رفض الرئيس تقديمها, وعندما انسحب المرشح المنافس احتجاجا اعتقد البعض أن فوجيموري يمكنه أن يتراجع أمام ما أسموه بالضغوط الأمريكية والأوروبية ضده. لكن يبدو أن المراقبين تغاضوا عن سوابق مماثلة أثبتت أن الولايات المتحدة وأوروبا لا تكون جادة عادة في تهديداتها إذا كانت الإجراءات التي يجب أن تتخذها يمكن أن تضر بها اقتصاديا, وهذا هو الموقف الفعلي في حالة البيرو, فالولايات المتحدة تعتبر الشريك الاقتصادي الأول للبيرو وبالتالي لنظام فوجيموري, وأوروبا تحاول أن تنتزع حصة مهمة في هذه الشراكة ومنافسة أمريكا في هذه السوق الرائجة المفتوحة أمام التجارة والاستثمار بلا عوائق, خاصة بعد استقرار الأمن الذي حققه نظام فوجيموري نفسه بالتخلص من خطر متمردي (الدرب المضيء) . لهذه الأسباب, فان فوجيموري قرر المضي قدما في تنصيب نفسه رئيسا للبيرو للمرة الثالثة على التوالي, على الرغم من الظروف المحيطة بالانتخابات التي أقامها بنفسه ولتنصيب نفسه مرشحا وحيدا. لم يكن حدس الرئيس فوجيموري تجاه أوروربا وأمريكا كاذبا, فقد تلقى إشارات أوروبية تؤكد دعمها له رغم كل شئ, وربما كانت أول تلك الإشارات المقبلة من أوروبا تصريحات رئيس الوزراء الأسباني خوسيه ماريا أزنار, التي أشار فيها إلى الأوضاع الناتجة عن انسحاب المرشح المنافس لفوجيموري, وبدلا من انتقاد الرئيس البيروفي ومطالبته بتوفير الضمانات الكافية التي يضمنها الدستور, قدم له دعمه, لأنه طبقا لرؤية رئيس الوزراء الأسباني فان انسحاب المرشح المنافس, أيا كانت أسباب الانسحاب, لا ينفي شرعية انتخاب فوجيموري (!), حتى لو كانت تلك الأسباب تتعلق بالتزوير وغيرها من الوسائل القذرة للتخلص من الخصم. هذه الإشارة أكدت لفوجيموري صدق نظريته, وإمكانية ا عتماده على أوروبا إذا أرادت الولايات المتحدة أن ترفع الشعارات الديمقراطية المعتادة في مثل هذه الحالات, والتي ترفعها عادة عندما تريد التخلص من عميل سابق كما فعلت مع بينوتشيه. فوجيموري, المهندس الزراعي تعلم خلال سنوات جلوسه على كرسي السلطة أن الجيش هو ضمانه الوحيد داخليا للبقاء على ذلك الكرسي, أما الاقتصاد والتجارة فهما ضمانه للتعامل مع الخارج بحرية, وهو ما يفعله الآن, لذلك فإنه لم يحاول حتى مجرد مناقشة الأوضاع الناتجة عن دكتاتوريته, لأنه يمكنه التخلص من القلاقل التي قد يسببها منافسه داخليا بإطلاق يد الجيش من خلال إعلان حالة الطوارئ في البلاد, وخارجيا باستغلال المنافسة بين الولايات المتحدة وأوروبا على أسواق البيرو, وهو في كلا الحالتين (المنتصر الوحيد) ولتذهب الديمقراطية والدستور إلى الجحيم. كاتب وصحفي مصري مقيم في اسبانيا