بقلم: ياسر الفهد لا حاجة بنا الى تعريف التلوث البيئي وكشف النقاب عن اخطاره واهواله فأمره اصبح معروفا وصفحاته باتت مفتوحة. وهو يشمل الماء والغذاء والتربة والهواء, ويهددنا بأوخم العواقب الصحية, كما ينذر بتقصير امد حياتنا. واذا كانت الوراثة تعد من ابرز اسباب الاصابة بالامراض التي تقض مضاجع البشر وتسومهم اقسى الوان العذاب فإن التلوث لا يقل عنها خطرا في هذا المجال. وللأسف فإنه ليس الآفة الوحيدة التي تنخر في اوصال حضارتنا المعاصرة, بل ان هناك انواعا اخرى لا تقل عنه ضررا وايذاء وتقويضا لسعادة الانسان. فهناك التلوث السياسي الذي يطل بوجهه الكئيب على شتى بقاع الارض, ولكنه يكشر عن انيابه وينشب اظفاره على نحو خاص في الدول المتخلفة, وهو يتجلى في مظاهر عديدة مثل الحكم الفردي والفساد واغتصاب حقوق الانسان واستخدام القوة وسيلة لفرض الهيمنة على الحكم, وعدم تقبل الرأي السياسي الآخر, وحجب حرية الكلمة, والاعتقال بدون محاكمة والانفراد باتخاذ القرارات, وتبني موقف الاحادية السياسية والاثراء غير المشروع وغير ذلك. ونذكر ايضا التلوث الاجتماعي الذي يسمم حياتنا العامة بشتى مظاهرها. وهو يبدأ في اصغر خلايا المجتمع, اي الاسرة, فنجد الزوج يضرب زوجته, والزوجة تعصي زوجها, والابن يتطاول على والديه, والاخ يقسو على اخيه, والاخت تغار من اختها, والكنة تكيد لحماتها, وزوجة الاب تتربص الدوائر بأولاد زوجها. وفي المدرسة نجد الانموذج نفسه يتكرر في مجال التعامل بين الطلاب انفسهم, وكذلك بينهم وبين الادارة المدرسية والاساتذة واذا انتقلنا الى دوائر الدولة ومراكز الاعمال الخاصة يتبين لنا ان ما تم زرعه في الاسرة والمدرسة, يجري حصده على نطاق العلاقة بين الرؤساء والمرؤوسين وكذلك بين الباعة والزبائن وفي مجال القضاء, ليس من النادر ان يسجن الابرياء ويطلق سراح المتهمين, وتضيع الحقوق امام اغراءات الرشوة. ويتفرع عن التلوث الاجتماعي, ضرب من التلوث الثقافي الذي يتبدى في علاقات فكرية وصحفية وادبية غير صحية فالناشر قد يغتصب حقوق المؤلف, والكاتب قد يحاول خداع الدورية بتزويدها بمقال سبق نشره, والدورية قد تغمط الكاتب بعض حقوقه المادية والمعنوية والدولة قد تستهين بالمؤسسات الثقافية والدوريات وتعد تقديم الدعم المادي لها ضربا من الكماليات. وهذه كلها ظواهر غير صحية تسمم جو العمل الفكري والثقافي وتجعل مردوده اقل من المستوى المطلوب ولكنها بالطبع لا تظهر دائما وانما بين الحين والآخر, وحيثما يكون البنيان الاجتماعي والاخلاقي هشا ومخلخلا او بالاحرى ملوثا. واذا اتيح لنا ان نملك ما يسمى (بمصباح ديوجين) لنسلطه على عتمة دهاليز حياتنا بشتى مظاهرها الحالكة, فإننا سنكتشف ان العنصر المشترك في جميع أنواع التلوث, هو حب الذات والتهالك المفرط على المصالح الخاصة. وحتى في مجال التلوث البيئي, فإن اقتلاع الاشجار والقاء الاوساخ والقمامات في المياه النقية وانتاج المواد الكيميائية المؤذية للصحة العامة, بقصد الربح المادي, والمبالغة في استعمال السيارات الخاصة التي تنفث سمومها في الجو, بقصد الاستمتاع الشخصي انما تعود جميعها الى الضعف البشري المتمثل بالافراط في حب الذات. ان الاعتراف بالحقيقة, فضيلة مهما كانت هذه الحقيقة مؤلمة وباعثة على الحزن والاسى ولذلك ليس من المعيب ان نقر ونعترف بأن الانسان العربي المعاصر, وفي ظل استشراء التوجهات المادية في جميع انحاء العالم, اصبح يبالغ في اظهار نزعته الفردية. وهو كثيرا ما قد يضرب عرض الحائط بمصالح الافراد الذين يعيش معهم في بيئة معينة. ففي كل مجال من مجالات الحياة العربية وفي اية مؤسسة من مؤسسات المجتمع, وفي كل منزع من منازع العمل, هناك حالات لا تسود فيها الا الفردية ولا تهيمن سوى النفعية, ولا نجد قاعدة للتعامل غير منطق المصالح الخاصة والصداقات الشخصية. وهذا كله, ليس معناه ان الانسان العربي يفتقر بالفطرة الى الضمير الحي والروح الجماعية والوجدان الغيري. ولكن الامر يعود في كثير من جوانبه الى غياب الوعي السليم عنده, ويرتبط بنوع العادات التي نشأ ودرج عليها, ونماذج السلوك التي اعتادها وغذتها تربية خاطئة مشحونة بشتى الرواسب الملوثة المتراكمة. ان العرب في الاساس قوم كرام وشعب نبيل ملتزم بمكارم الاخلاق, وهو ما تشهد به الاحداث والوقائع على مر العصور وكر الدهور اما النزعة الفردية المتنامية والمغالاة في الجرى وراء المصالح الشخصية, فإننا نعزوهما, كما اسلفنا الى التربية القاصرة وان كان هناك من يحاول ان يربطهما بعوامل فطرية وراثية عند الفرد العربي. ومهما يكن الامر فإن من الواضح ان الاباء والامهات في المنازل, والاساتذة في المدارس والصحفيين في الدوريات يستطيعون ان يفعلوا الكثير في سبيل مكافحة الفردية والانانية وعشق الذات, وكذلك تشجيع الغيرية والروح الجماعية والاهتمام بمصالح الغير عند الانسان العربي. وما لم نفعل ذلك, فإن جهودنا في كافة المجالات الاخرى قد تذروها رمال الصحراء وتذهب ادراج الرياح فما الفائدة من الثروات الكبيرة اذا لم يتم توزيعها بعدالة بين مختلف طبقات الناس؟ وما جدوى التنمية الاقتصادية اذا لم يعم خيرها على جميع ابناء الوطن؟ وأي خير يرجى من التقدم الطبي اذا لم تتوافر فرص المعالجة للفقراء والاغنياء معا؟ وبتعبير آخر فمهما احرزنا من تقدم في هذا المجال او ذاك فإننا لن نحصد الخير ونجني الثمرات إلا اذا طهرنا حياتنا بشتى مظاهرها من شتى الملوثات السياسية والاجتماعية والثقافية. وهذا لن يتحقق الا اذا قيض لنا ان نستفيق من غيبوبة النزعة الفردية المفرطة التي طال امدها. كاتب سوري