دأبت الأوساط الفلسطينية والاسرائيلية وعن سابق قصد على ترحيل جملة من القضايا الصعبة جدا, والتي قد لا تجد لها آليات للتحقق ومنها قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين يشكلون في مجموعهم ما يقارب أربعة ملايين لاجىء معظمهم في دول الطوق, بما في ذلك قطاع غزة والضفة الغربية, وقد وصلت قضية اللاجئين والقرار (194) المتعلقة بهذا الشأن ورقة تفاوضية ليس الا بالنسبة لطرفي التفاوض الفلسطيني ـ الاسرائيلي, خاصة اذا ما علمنا ان اسرائيل غير قادرة على ترويض نفسها على القبول بتسوية قائمة على تقسيم فلسطين, فكيف سيتم الشروع في حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم من وطنهم في عام 1948؟ ويبدو من ذلك ان السلطة الفلسطينية رغم الضجيج الاعلامي الذي تثيره حول هذه القضية مجرد مناورة لتسخين الطاولة توطئة لقطع اشواط في المفاوضات حول الوضع النهائي وما ستئول اليه الامور النهائية خاصة فيما يتعلق بموضوعة التعديلات الحدودية على نحو تستطيع فيه اسرائيل ضم كتل استيطانية كبيرة متاخمة لما يسمى بالخط الاخضر, والغاء المطالبة بقضية عودة اللاجئين مقابل حفظ ماء الوجه للمفاوضين الفلسطينيين في اعطائهم نتفا محيطة بالقدس الشرقية ومدخلا مقننا إلى المسجد الاقصى, وقد يكون عرض الرئيس الامريكي بيل كلينتون لياسر عرفات اثناء لقائهما في واشنطن مؤخرا, في تشكيل صندوق دولي لتوطين اللاجئين الفلسطينيين, والذي جاء متسقا مع العرض الكندي الذي ابدى استعداده لاستيعاب 25 الف لاجىء فلسطيني رغم النفي الذي صدر على لسان رئيس وزراء كندا كريتيان, نتيجة التوافق في الرؤية المشتركة ما بين المفاوض الاسرائيلي والمفاوض الفلسطيني لهذه القضية, لكن المهم بالامر اذا ما تم تجاهل هذه القضية الشائكة, ما الذي سيترتب على هذه المشكلة من تبعات؟ قد يكون الامر لا يحتاج إلى كثير من التفكير في هذه القضية, فحتى ولو هجر اللاجئون إلى اصقاع الارض, فستتشكل الكثير من اللوبيات الفلسطينية المتحالفة مع الكثير من الاتجاهات السياسية الفلسطينية في داخل فلسطين وخارجها, وستنشأ الكثير من المنظمات الجديدة التي بالضرورة ستعمل على خلق حالة صراعية مع الاحتلال بما في ذلك الاشكال المسلحة, ولعل الفلسطينيين يجدون ضالتهم هذه الايام بالاتجاهات الاسلامية النشطة في أوروبا والوطن العربي, وبعض الدول الإسلامية التي تشهد الكثير من الصراعات الدينية, وهذه الاتجاهات الحديثة التشكل ترى في صراعها مع الاحتلال الاسرائيلي قضية ايمانية تتجاوز في بعدها قضية الارض والمساحة المقامة عليها اسرائيل نفسها بعد التسوية, ولا غرابة ان مثل المقاومة الاسلامية في جنوب لبنان, وما ترتب عليها من انسحابات احادية, لن يجد عند اللاجئين الا تفسيرا واحدا لا غير وهو طرد اسرائيل من ارض عربية محتلة, وبالنهاية سيؤدي هذا الامر إلى حالة استنهاض هؤلاء اللاجئين بانتهاج الطريقة ذاتها, وان قضية الضبط الامني ايا تكن ومهما كانت الاجراءات لن تنهي حالة الاصطدام العسكري, خاصة عند اناس اصبحوا يفتقدون إلى ادنى حالات الامل في العودة إلى ديارهم التي طردوا منها, وهنا يجب ان لا نغفل المواقف اللبنانية الصلبة ازاء قضية اللاجئين, حيادا عن خلفيات كل موقف منها, الا انها في نهاية الامر تصب في خدمة هدف واحد, اي تصب في قضية عودة اللاجئين, ولعل الموقف اللبناني الرسمي والحزبي والشعبي بصفة عامة قد احرج بعض الدول العربية المضيفة التي لعبت منذ مدريد على وتر التوطين, كخدمة تسديها لاسرائيل مقابل حفنة من الدولارات, أو مقابل بعض الغنائم المخفية غير المعلنة, التي بالضرورة سترضي الراعي للعملية السلمية (الولايات المتحدة الامريكية) دون ان تعي ان هذه الدول أيا تكن وأيا يكن الحجم التمثيلي فيها بالنسبة للديمغرافيا بشكل عام, بأن قضية توطين اللاجئين, ستبقى ليس مثارا للجدل بل وللصراع الذي سيأخذ جملة من الاشكال بما فيها المسلحة, مع نفس النظام الذي وافق على قضية التوطين, وان اللاجئين سيعملون جاهدين ومن خلال ذريعة قبول هذا النظام لتوطينهم إلى طرح المحاصصة والمشاركة بالحياة السياسية, وسيعملون ايضا على الانخراط باكثر الاحزاب راديكالية, دينية كانت أم علمانية, انطلاقا كما اشرنا من حالة اليأس والغبن, ناهيك عن ان اللاجئين المتواجدين في اراضي الحكم الذاتي الاداري, هم أيضا يعيشون ذات المشكلة المركبة على المستوى النفسي والاقتصادي والاجتماعي, وبدأت الفوارق الطبقية مكشوفة للعيان بين المواطنين من ابناء الضفة الغربية وقطاع غزة وبين اللاجئين الذين طردوا من ديارهم في العام ,1948 وقد بدأت بعض الاصوات تتعالى بين جموع اللاجئين في الارض المحتلة كما في خارجها, ان الشعب الفلسطيني اصبح بعد طرح قضية توطين اللاجئين ثلاثة شعوب, شعوب الداخل الفلسطيني (عرب 48) وسكان الضفة والقطاع الاصليين (وهم ابناء السلطة) واللاجئون الفلسطينيون ان كان في داخل اراضي السلطة أو في مناطق الشتات والمنافي والذين الان يعتبرون اكثر راديكالية من قبل حتى بدأت أوساطهم تطرح بأن كل ما يجري من مفاوضات على انها خيانة لقضيتهم التي ثاروا من اجلها اصلا, والغريب بالامر ان الكثير ممن كانوا يطرحون قضية العقلانية السياسية بدأوا هذه الايام, في كثير من المنتديات السياسية والثقافية, اللجوء إلى اثارة قضية الغيلة السياسية المنظمة لكل مسئول فلسطيني يسلم أو يتنازل عن حقهم في العودة, وقد لا استغرب ان الايام القليلة المقبلة ستحمل الكثير من المفاجآت في الداخل, والتي قد تصل إلى صراع دموي حاد لكن هذه المرة سيكون على جبهتين مع السلطة ومع الاحتلال في ذات الوقت, وهذا الامر بكل تأكيد ستتحمل السلطة الفلسطينية تبعاته ونتائجه, لانها اغفلت منذ البداية قضية اللاجئين والقدس, وانبرت إلى قضية الانسحابات الجزئية التي امنتها فعاليات الانتفاضة منذ وقت مبكر. لكن السؤال الذي يحضرني في هذه اللحظة الصعبة هل حقا ستقدم السلطة الفلسطينية انتصارا ولو شكلانيا في الايام المقبلة لهؤلاء اللاجئين أم انها ستبقى تلوذ بانتصارات وهمية لا تغني ولا تسمن من جوع؟ وهل ستبقى اجهزة امن السلطة جادة في قمع اي ظاهرة من شأنها ان تفرض شروطا جديدة لجهة خدمة قضية عودتهم على الطرف الاسرائيلي؟ بعيدا عن الاجابات باتت كل الامور مفتوحة على المجهول, وبات اخطر مما كان البعض يتصوره خاصة بعد الانتصار الذي قدمه حزب الله بذات السلاح الذي بدأه هؤلاء اللاجئون. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق