اذا افترضنا ان (سفاح النساء) السوداني الذي تجرى محاكمته في العاصمة اليمنية صنعاء هو واجهة لشبكة تمارس تجارة الاعضاء البشرية فان دخل هذه الشبكة من بيع الاعضاء الوظيفية المنتزعة من جثث الفتيات اللاتي يقول المتهم محمد آدم عمر اسحاق، انه قتلهن يكون وفقا للاسعار السائدة في سوق الاعضاء البشرية العالمية (وهي سوق سوداء بالضرورة) , نحو نصف مليون دولار. لكن لماذا نفى المتهم هذا الدافع التجاري عندما مثل امام القاضي بينما كان قد ذكره للشرطة والنيابة العامة اثناء مرحلة التحري والتحقيق؟ ربما هنا, وهنا, فقط يكمن سر هذه القضية الغامضة الغريبة. فيما يتعلق بعمليات القتل نفسها, بغض النظر عن الدوافع, يلاحظ ان المتهم لم يشأ ان يبذل اي جهد بأي حد ادنى لنفي التهمة سواء في مرحلة التحري او مرحلة المحكمة... ولم يطلب محاميا للدفاع عنه.. وعندما تغيب محامي الدفاع الذي عينته المحكمة عن الجلسة الثانية لم يعرض المتهم او يبدي قلقا... بل طلب من القاضي ان يصدر الحكم عليه فورا على اساس اعترافه بقتل 16 فتاة, ثمانٍ منهن طالبات طب بجامعة صنعاء. هذا المسلك غريب لانه يتناقض مع الغريزة الطبيعية للدفاع عن النفس... ليس غريبا فحسب بل ايضا مثيراً للريبة, خاصة ان المتهم يواجه حكم اعدام. فهل اراد المتهم من هذا الاصرار المبالغ فيه على الاعتراف الكامل واستعجال المحكمة اصدار حكمها, وان يكون الاعتراف ستارا دخانيا... اولا لاخفاء الدافع الحقيقي... وثانيا حماية متنفذين كبار يثق في انهم سوف يقفون بينه وبين حبل المشنقة؟ هؤلاء المتنفذون الكبار, اذا وجدوا فعلاً يكونون اعضاء الشبكة المتاجرة بالاعضاء البشرية... وعلى هذا النحو ربما يكونون رأسماليين ذوي سطوة على السلطة او رجال سلطة نافذين او خليطا من هؤلاء واولئك. ومما يضاعف الارتياب تعجل النيابة العامة في تقديم القضية الى المحكمة قبل اكتمال التحقيق مع شخصيات وردت اسماؤها اثناء مرحلة التحري واثناء التحقيق مع المتهم. وليس واضحا تماما ما اذا كانت النيابة باشرت اصلا استجواب تلك الشخصيات. هنا نفهم لماذا يطالب الدفاع بوقف المحاكمة لاستكمال التحقيق الناقص. ماذا يقول المتهم نفسه بشأن الدوافع؟ يسوق المتهم دافعين: اولا, انه ترسخ في باطن شعوره عقدة نفسية تجاه النساء, خاصة الجميلات منهن, بسبب رؤيته, وهو ابن سبع سنين, امه وهي في حالة معاشرة جنسية مع غير والده, ورؤية والده يقتل الزائر الزاني ويقطع اعضاء جسمه اربا. ثانياً: دافع السرقة حيث اثار المتهم هنا انه كان يجرد ضحاياه من حلي الزينة. اكاد اجزم ان المتهم نسج اقواله في هذا السياق من الخيال المحض... ربما بغرض صرف انتباه الآخرين عن الدافع الحقيقي الذي قرر فيما يبدو ان يحتفظ به لنفسه. فالاقوال هنا حافلة بالخروق والتناقضات. ففي معرض روايته يقول المتهم ان رؤيته والدته تمارس الزنا افقده الثقة بالنساء على الاطلاق... حتى انه يشك في زوجته وفي ابوته للصبي والبنت الذين انجبتهما. فلماذا اذن لم تكن زوجته من بين القتيلات اللاتي فاضت ارواحهن على يديه بينما يربو عددهن حسب اقواله على العشرات؟ ثم كيف تتلاءم عاطفة الانتقام المرضي المشبوبة مع دافع السرقة التي تمارس بدم بارد وتخطيط واعٍ؟ ولمدى خمس سنوات متصلة ظل المتهم يمارس مسلكه الدموي دون ان تطاله يد العدالة؟ وهنا تظل ثمة اسئلة معلقة: كيف لم تلحظ سلطات الجامعة شيئاً غريبا؟ لماذا سفَّه اساتذة كلية الطب ما وصل اليهم من شكاوى بخصوص اختفاء طالبات باسمهن؟ ولماذ لم تلق سلطات الشرطة بالا لشكاوى مماثلة؟ احساسي ان وراء الاكمه ما وراءها وان المسار الذي اتخذته هذه القضية حتى الآن ليس سوى واجهة خارجية خادعة.