بدأ العرب أولى سنوات القرن العشرين بدعوة الى الوحدة القومية سجلها في كتاب بعنوان (أم القرى) مثقف سوري من حلب اسمه عبدالرحمن الكواكبي ومن يومها ظلت الوحدة وسيلة دعاية بمعنى أنها كانت أداة لتجميع صفوف العرب من أجل تحقيق ذاتهم القومية بوصفها ذات ثقافة متميزة، نزلت في أرضها جميع رسالات السماء ثم حظيت في واحدة من أسعد الموافقات التاريخية والحضارية بأن نزل بلغتها الكتاب الكريم الذي حمل رسالة العقيدة والشريعة الاسلامية الى العالمين. ثم من جهة أخرى كانت الوحدة العربية كما رآها الدعاة الرواد منذ مستهل القرن الماضي وسيلة وأي وسيلة للتخلص من نير الاستعمار التركي الذي رزحت أمة العرب تحت وطأته على امتداد أربعة قرون وفي هذه السنوات الاربعمئة بالذات كانت أوروبا الى الشمال من الأرض العربية تعيش عصور الرينيسانس, النهضة التي دفعت بأوروبا الى اكتشاف آفاق العالم المعمور وقتئذ والى مواصلة روح الكشف والارتياد في مجالات الطب والطاقة والانتاج والابداع الأدبي والاجتهاد المعرفي. المؤتمر العربي القومي وفي مستهل العقد الثاني من القرن العشرين تنادى نفر من مثقفي العرب الى عقد المؤتمر العربي في باريس من أجل بلورة دعواتهم القومية ومهما كان نصيب اجتهادهم من الخطأ أو الصواب فقد بدا الأمر وكأن حلم الوحدة العربية, ولو على مستوى أقطار المشرق أمر قريب المنال.. ومن عجب أن يبدأ القرن العشرون بدعوة الى الوحدة وعند منتصفه تتجسد هذه الدعوة في كيان سياسي اداري دستوري اسمه الجمهورية العربية المتحدة (من مصر في الجنوب وسورية في الشمال) عام 1958 وبعد ذلك ظل البناء الوحدوي على مستوى الدعوة والايديولوجيا والممارسة والتنفيذ يواصل خطاه على طريق الانفصال (1961) ثم تكريس التجزئة ثم وضع الدعوة الوحدوية على رف الانتظار حيث اللجوء اليها يقتصر على لحظات مغازلة الحلم الجماهيري أو طلبا لتأييد شعبي أو دفعا لمشاكل داخلية تواجه اداة الحكم في هذا القطر أو ذاك.. ناهيك أن تصل المسألة العربية الى حدود المأساة أو الكارثة التي تجسدت ـ كما لاشك تعرف وتعاني ـ في الاجتياح الغاشم الذي تعرضت له الكويت فمع مطالع العقد التسعيني الماضي وهو خطيئة استراتيجية إياك أنت والذرائع والتعلاّت. ونصفها بالاستراتيجية نظرا لما تركته وظلت تخلّفه كما نتصور من ندوب وجروح بعضها لايزال غائرا ومسيئا الى دعوة الوحدة وعائقا يحول بين أمثالنا من دعاة التكامل القومي العربي وبين ما ظللنا نحدب عليه وندعو اليه ونرنو الى تحقيقه ولو عند الحد العملي الأدنى من سنوات اليفاعة وحتى مراحل الاكتهال. شحوب دعوة الوحدة هكذا بدأت دعوة الكواكبي طامحة ويافعة ومبشرة بألق الحلم العروبي في أولى سنوات القرن العشرين.. وعندما مضت سنواته المائة.. هانحن نفاجأ للأسف التاريخي الشديد بشحوب دعوة الوحدة وبالجراح التي أثخنت بنيتها الى درجة أوصلت مسئولا كبيرا في الخارجية المصرية وهو واحد من المجتهدين القوميين المرموقين الى أن يقتصر في تناوله للخطاب القومي العروبي على مسألة السوق العربية المشتركة, وهي أمر مازال بحاجة بدوره الى تجسيد وتنشيط رغم اجماع سائر الفرقاء في مشرق الوطن العربي الكبير ومغربه, حاكمين كانوا أو محكومين, على أن مثل هذه السوق صارت وسط تكتلات واستقطابات عصرنا من الضرورة الحيوية بمكان ولو على مستوى أضعف الايمان. والمسئول الذي نشير اليه هو الدكتور مصطفى الفقي, مساعد وزير الخارجية المصري وممثل مصر في الجامعة العربية نقلت عنه الميديا مؤخرا تصريحا قال فيه: (إن تفعيل السوق العربية المشتركة في حاجة الى ارادة سياسية وسقوط الحساسيات وازالة المخاوف بين الدول العربية والاحساس (بمنطق) الضرورة وبالمصلحة المشتركة) . كان ذلك قرب منتصف شهر مايو الماضي.. ولقد طالعنا هذه العبارات خلال اقامتنا الراهنة في أمريكا للمشاركة بخبرة متواضعة كما قد نقول في أنشطة منظمة الأمم المتحدة, وكنا وقتها لانتابع بمنطق الشغف القوي, هل نقول منطق الغيرة والحسد القوي احتفالات دول غرب أوروبا بانقضاء نصف قرن على مسيرة الوحدة الأوروبية وقد اعتملت, بل اضطرمت في النفس هذه المشاعر من التحاسد أو الغيرة ونحن نطالع عبارات الدعوة التي تلقيناها من البعثة الدائمة لدولة البرتغال لدى الأمم المتحدة وهي تشرح المناسبة في عبارات موجزة تقول: ) احتفالا بالذكرى الخمسين لاعلان شومان ومسيرة التكامل الأوروبي) . دفاتر التاريخ ساعتها شرعنا في تقليب دفاتر التاريخ القريب ـ تاريخ نصف القرن الماضي ـ السنوات الخمسين المنقضية التي بدد فيها قومنا من اليعاربة المعاصرين أكثر من فرصة ذهبية أو بلاتينية لاحت أمامهم لتجسيد الحلم القومي في الوحدة أو التكامل أو أي شكل من أشكال رص الصفوف وجمع الشمل تحقيقا لأي هدف واحد ملموس. هذا في حين أن أوروبا لم تضيع وقتها عبثا عبر السنوات الخمسين اياها بل ظلت تتحرك بخطى بطيئة نعم, متدرجة بكل تأكيد.. وسط عقبات لا أول لها ولا آخر صحيح.. ولكن ظلت عيونها مثبتة دوما على الهدف الذي رسمته لنفسها وهو ترجمة شعار الوحدة الأوروبية الى حقيقة مؤسسية واثقة. ومن عجب أن يؤكد مؤرخو عصورنا الحديثة أن الأمة العربية (مصر بالذات) بدأت نهضتها منذ القرن التاسع عشر جنبا الى جنب وكتفا بكتف مع اليابان في نهضتها الحديثة.. ثم يضيف المؤرخون كلمة (ولكن) المأثورة ثم يسكتون وفي الفم ماء ونسكت معهم وبين الجوانح غضب تاريخي عارم.. حيث الفراغ الذي يعقب (ولكن) هذه لاتشغله سوى الحقيقة التاريخية المريرة التي قد تلخصها عبارة غاية في الاحباط يقول: فانظر ماذا ترى من أمر اليابان التي لاتملك لا موارد ثرية ولا مصادر أولية متنوعة ولا موقعا استراتيجيا حاكما ولا حتى مميزا ولا.. ولا.. ثم قارن مع حالنا ونحن نملك من هذا كله الكثير الموفور.. فاذا باليابان وقد حسب لها العالم ألف حساب واذا باليعاربة المعاصرين, ونحن ننتمي اليهم وقد أصبحوا أقرب الى الأيتام في مآدب اللئام.. فتأمل! نفس المقياس ينطبق أو يكاد على قضية المسير الوحدوي عندنا وعند أوروبا. البدايات المتواضعة لقد بدأت مسيرة الوحدة الأوروبية بداية أكثر من متواضعة بالاعلان الذي احتفلوا به كما ألمحنا في مايو المنصرم.. بدأت باعلان روبير شومان السياسي الفرنسي المخضرم وكان وزيرا لخارجية بلاده وقد أصدره تحديدا يوم 9 مايو 1950 ودعا فيه الى انشاء مجمع مشترك بين دول غرب أوروبا المنتجة للفحم والحديد يجمع كلمتها وينظم صفوفها ويحل مشاكلها من منطلق جماعي ويوحد كلمتها ويحقق مصالحها المشتركة ازاء أسواق العالم وقتها, لاسيما وأن أوروبا الغربية كانت قد خرجت من آتون الحرب الكونية الثانية مفلسة.. جريحة.. ومدمرة فاذا بها تكتوي بنيران حرب جديدة اقتصادية وعقائدية اسمها الحرب الباردة التي كادت تحصرها وتهصرها بين عملاق سوفييتي في الشرق وعملاق أمريكي رابض غربا فيما وراء الأطلسي. الوحدة الأوروبية بدأت في تواضع شديد حتى لنكاد نقول أنها بدأت عام 1950 على استحياء سياسي واقتصادي. أليس من غرائب المصادفات أن تتعاصر هذه البداية الأوروبية بدورها مع خطوة عربية جاءت وقتها أبعد شوطا وطموحا تمثلت في عقد اتفاقية للعمل الاقتصادي العربي المشترك في عام 1953 (لم تنفذ حتى الآن) بين الدول أعضاء الجامعة العربية وتقضي بنودها بتيسير وتهيئة السبل أمام حركة البضائع والمنتجات والأفراد بين سائر الدول العربية. لماذا حققوا النجاح ولكل امرىء في وطن العرب أن يسأل نفسه على سبيل التأمل أو المحاسبة عما آل اليه الحال عندهم وعندنا.. مازلنا نراوح في أماكننا وأحيانا نتحرك الى الوراء بانتظام كما عبر يوما عباس العقاد, فيما ظلت أوروبا كما أسلفنا تواصل خطى الحركة في ثبات وئيد.. لاتنقل القدم إلا بعد الثبّت من حسن التمهيد ومتانة المسلك.. وتتبع منطق التراكم وهو الكفيل بتوفير الخبرة التاريخية للساسة والشعوب ثم تعمد و تجهد في تجسيد كل انجاز ليتحول الى مؤسسة تكفل أسباب العمل الموضوعي والتنظيمي بعيدا عن ذاتية الأشخاص ونوازع الأفراد.. ونحسب أن قومنا أضاعوا فرصتهم التاريخية عندما تحركت خطاهم تحت ظلال الشعارات.. والخطابيات والبلاغيات.. كل ما يفعله زعماؤهم فهو صحيح على طول الخط وكل ما يقوله قادتهم فهو تاريخي وكل ما يرفضه أولو الأمر منهم فهو في مرتبة الكفر المقيت والتجديف المرفوض. وغير خاف أن كيان الوحدة الأوروبية أو الاتحاد الأوروبي يضم دولا وشعوبا وأقطارا بينها ثارات قديمة من حروب وخصومات دموية بعضها يعرف باسم حرب المئة سنة.. دع عنك حروب نابليون التي اخضعت لسطوة فرنسا أقطارا مثل أسبانيا وايطاليا والمانيا وغيرها.. ودع عنك أيضا اختلاف أركان الاتحاد الأوروبي من حيث الثقافات الوطنية واللغات واللهجات السائدة.. ومع ذلك فقد انطلقت مسيرة الوحدة الأوروبية منذ منتصف القرن الماضي من واقع مقولة ثلاثية الأبعاد تتلخص فيما يلي: كفالة الأمن تحقيق القوة (المستمدة من تآزر الوحدة) الحيلولة دون نشوب حرب (عالمية) أخرى داخل أوروبا (ومن المؤرخين مثل البروفيسور صمويل هتنجتون الأستاذ في جامعة هارفارد من ينظر الى الحرب العالمية الأولى والثانية على أنها كانت حروبا أهلية أوروبية في التحليل الأخير). وعليه فقد بدأت أوروبا بتواضع محسوب بانشاء مجمع أو اتحاد الفحم والفولاذ عام 1950 ثم تشكلت السوق الأوروبية المشتركة التي ظلت تعرف بهذا الاسم حتى عقد الثمانينيات وكان ذلك بمقتضى معاهدة روما عام 1958 ومن بعدها معاهدة بروكسل عام 1965 وبهما اكتملت مؤسسات التكامل والاندماج فيما أصبح يعرف فيما بعد باسم (الجماعة الأوروبية) الى أن توجت هذه الجهود بمعاهدة (ماسترخت) عام 1992 التي رسمت الاطار اللازم لتوسع الدور السياسي للجماعة الأوروبية وخاصة في مجالات حيوية ورئيسية كالسياسة الخارجية والسياسة النقدية والبنكية والأمن والتبادل التجاري وصولا الى الاتفاق على انشاء مصرف مركزي للاتحاد الأوروبي ومن ثم اصدار عملته اليورو ـ التي مابرحت تناضل للصمود أمام عنفوان الدولار الأمريكي في الوقت الراهن, فضلا عن الحوار الدائر حاليا حول دعوة (فيشر) وزير خارجية ألمانيا التي أطلقها مؤخرا وتذهب شوطا أبعد مدى وطموحا وتقضي بانشاء الاتحاد الفيدرالي الأوروبي (الدولة الاتحادية الأوروبية) التي يتم بشكل مباشر انتخاب رئيسها وبرلمانها بما يعني توحيد المؤسسات التشريعية والتنفيذية على صعيد أوروبا الغربية بأسرها. ملحوظة مهمة: الجزء التالي يتم وضعه داخل إطار في قلب الموضوع: (ونحسب أن قومنا أضاعوا فرصتهم التاريخية عندما تحركت خطاهم تحت ظلال الشعارات والخطابيات والبلاغيات)