بعد الضجة التي أثارتها الدكتورة (مريم نور) طبيبة أو أخصائية الطب البديل, صار بعض الناس وكأنهم مصابون بخوف شديد من أي طعام يوضع أمامهم! هل أوصلت (مريم نور) الناس لحالة فوبيا أو خوف مرضي من الطعام الملوث أو المعدل وراثياً, أم انها أوصلتهم لحالة وعي صحي مطلوب؟ نحن نحتاج لوعي صحي أكثر مما نحتاج لوعي فني غنائي راقص, فنحن منذ فتحنا أعيننا على الدنيا والتلفزيونات العربية تخوض معركة إعلاء شأن الفنانين والراقصات الشرقيات والمسلسلات العربية والمكسيكية أكثر مما تخوض حرباً مشروعة ومطلوبة ضد الأمية والمرض وإسرائيل! وعليه فقد تثقفنا فنياً وغنائياً ورقصياً, أكثر مما صار لدينا من وعي صحي أو غذائي أو معرفي أو حتى وطني, فنحن إذا سألنا مراهقاً عن آخر أغنيات (التوب تن) أو الأغنيات العشر الأفضل في سوق البورصة العربية أو الأجنبية فإنه سيفصلها بأسمائها وأسماء مطربيها وملحنيها بينما لا يحفظ هذا المراهق ربع النشيد الوطني وربما لا يعرف ألوان العلم الخاص بدولته وربما لا يعرف ايضاً مَن الذي كان يحتل جنوب لبنان؟ (مريم نور) في إحدى الحلقات التلفزيونية قالت بأننا لا نملك ثقافة غذائية ولا نعرف كيف نتعامل مع أفواهنا برقي, فنحن نضع كل ما في متناول الأيدي من الأطعمة السيئة والضارة في فمنا وكأنه مصرف صحي للأسف! و(مريم نور) لاتبالغ لكنها تقول الحقيقة بشكل كاريكاتيري ساخر ومؤلم أيضاً, وبلا شك فهي تعلم أيضاً ونحن نعلم ومسئولو الإعلام يعلمون بأننا نتعامل مع آذاننا وأعيننا وأذواقنا بنفس الطريقة, والشاهد هذه البرامج المليئة بالسخف والابتذال التي تتبارى بعض المذيعات الفارغات في تقديمها على أنها برامج فنية! إن الحديث عن المواد الكيميائية التي تستخدم كمخصبات زراعية وأعلاف للحيوانات والدواجن والمعدلات الوراثية التي تصب في المنحى نفسه قد آتت ثمارها بانتشار مظاهر مرضية وسرطانات يعرفها الأطباء والمرضى أيضاً, وبعيداً عن الناحية التجارية والمخالفات التجارية في إدخال واستخدام هذه المواد, فإن توعية الناس بمضارها تعتبر من الأمانة والموضوعية اللتين يتوجب على الإعلام النهوض بهما وتبنيهما. إن انتشار مطاعم الوجبات السريعة ليس من قبيل ثقافة العولمة فقط, إنه جزء من شبكة مصالح تجارية تستهدف الربح على حساب الصحة العامة, وقد يبدو للبعض ان الاندفاع صوب هذا النمط من الطعام حرية شخصية, لكننا نعتقد أيضاً بأن التوعية بمضار الطعام ومدخلاته الكيميائية حق يجب أن يتاح للناس إعلامياً, فالمعرفة ليست حوارات سياسية صاخبة فقط!