لقد اخفقوا في تسويغ قبولهم (اتفاق اوسلو) بذرائع شتى مثل: (1) تدهور الوضع العربي, بعد حرب الخليج الثانية (1990 ـ 1991) وتداعياتها الكارثية. (2) سقوط (المعسكر الاشتراكي) (1989), وانفراط عقد الاتحاد السوفييتي (1991) ما كشف ظهر القضايا العربية, دوليا وبالأخص القضية الفلسطينية. (3) استفحال الازمة المالية التي اخذت بخناق منظمة التحرير. (4) جمود مفاوضات واشنطن بين الوفدين الفلسطيني والاسرائيلي. هذه العوامل الاربعة ليست الا ذرائع اذ ان عرفات رفع معدلات تقديم التنازلات المجانية, منذ خريف 1988, اي قبل حدوث اي من الوقائع الحالية حينما اعلن في جنيف نبذ منظمة التحرير الكفاح المسلح, باعتباره (ارهابا) ولم يكن هذا التنازل الا مقدمة مسلسل التنازلات المجانية في سبيل موافقة الادارة الامريكية على مجرد التفاوض مع منظمة التحرير الى ان تأكد للقيادة المتنفذة في منظمة التحرير مدى فشل رهانها على الادارة الامريكية, عبر المفاوضات العقيمة مع هذه الادارة التي لم تهدف منها الا الى اعداد مسرح العمليات امام المفاوض الاسرائىلي بتدمير ما تبقى من اسباب الصمود الفلسطيني وهل توهم احد بأن يفاوض من حضيض الهزيمة, فيحصل على اكثر من سلام المغلوب على امره, اي استسلام كامل لارادة العدو؟! دوافع عرفات بعد انسداد افق مفاوضات منظمة التحرير مع الادارة الامريكية وتمكن الهزيمة من نسبة غير قليلة من القيادات الفلسطينية هرول عرفات في اتجاه اسرائيل, تدفعه عوامل اخرى: لعل اولها خشية عرفات المتزايدة من الصعود الملحوظ في خط (حماس) في الضفة والقطاع, بما يهدد قيادة عرفات للحركة الوطنية الفلسطينية وهي الخشية التي تحولت الى فزع حقيقي مع صدور تقرير البعثة الامريكية التي زارت الضفة والقطاع وقطعت بأن (حماس) تنظيم محكم, موحد سياسيا بعكس (فتح) وانتهى تقرير البعثة الى تقديم نصيحة للادارة الامريكية بالتعامل مع (حماس) دون (فتح) . فيما تمثل العامل الثاني في تخوف عرفات من توصل الوفد الفلسطيني في مدريد وواشنطن الى تسوية ما مع الوفد الاسرائىلي مما يسدل الستار على قيادة منظمة التحرير, لتسلم الامر لقيادات الضفة والقطاع وقد التقط عرفات مؤشرات عدة في هذا الصدد, خاصة بعد ان اخذ مربع (فتح) في وفد مدريد ـ واشنطن الفلسطيني (فيصل الحسيني, صائب عريفات, حنان عشرواي, وسري نسبية) يخفي جوانب من اسرار المفاوضات عن عرفات, ما اجبره ذات مرة على استدعاء الاربعة الى تونس وتأخيرهم عن موعدهم في واشنطن, في اشارة واضحة للارادة الامريكية بأن زمام الموقف الفلسطيني لا يزال بيد عرفات لكن الادارة الامريكية ردت في سرعة البرق حين زار وزير الخارجية الامريكية آنذاك وارين كريستوفر (بيت الشرق) في القدس, والتقى وفدا فلسطنيا يتقدمه فيصل الحسني ونادي الوزير على الاخير بـ (سيدي الرئيس) ! اما عامل الدفع الثالث فكان توجس عرفات من احتمال عودة الملك حسين الى الضفة الغربية خاصة وان شتى الاحزاب الاسرائيلية تحبذ (الخيار الاردني) على ان ما نقل التوجس الى الخوف اقدام الملك حسين على التلويح, مجددا بمشروع المملكة المتحدة. لذا تقدم عرفات الى العدو الاسرائىلي بأقل الاسعار في مناقصة التسوية فرست عليه المناقصة في اوسلو, على النحو المعروف. دوافع العدو على ان اسرائيل لم تكن بلا دوافع في هذا الصدد. ذلك انها بعقدها تسوية ما مع طرف فلسطينيي ما تكون قد حققت هدفين كبيرين بضربة واحدة خاصة وان تلك التسوية لغير صالح الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية. اما اول هذين الهدفين فكان ازاحة العائق الفلسطيني من طريق بعض الانظمة العربية المتلهفة لاقامة علاقات مع اسرائيل الامر الذي تأكد, حين تباهى احد الحكام العرب بأنه اقام علاقات مع اسرائيل في شتى المجالات منذ ثمانية عشر سنة لكنها ظلت طي الكتمان الى ان عقد عرفات (اتفاق اوسلو) فيما تذرعت انظمة عربية اخرى باتفاق اوسلو حتى تهرول في اتجاه العدو, مؤكدة (لسنا فلسطينيين اكثر من الفلسطينيين) ! اما الهدف الاسرائيلي الآخر فتمثل في محاولة التخفيف من بشاعة الوجه الاسرائيلي الذي تجلى في مواجهات جنود الاحتلال الاسرائيليين, المدججين بالسلاح مع اطفال الانتفاضة العزل الا من حجارتهم الصغيرة. والأنكى حين عمد جنود الاعداء الى تكسير عظام اولئك الاطفال, ونقلت شبكات التلفزيون العالمية مشاهد التكسير هذه الى شتى ارجاء العالم. مكاسب سريعة لاسرائيل قبل ان يجف مداد التوقيع على (اتفاق اوسلو) في حديقة البيت الابيض, بواشنطن في 13/9/1993 سارعت الادارة الامريكية الى حث اصدقائها من الحكام العرب على دعم هذا الاتفاق وانهاء المقاطعة العربية لاسرائىل, واسقاط القرارات التي سبق للأمم المتحدة ان اصدرتها, مشككة في حق اسرائيل في الوجود كما ألغت الادارة الامريكية تحفظها عن الاتصال بقيادة منظمة التحرير, ناهيك عن تجديد الادارة نفسها تعهدها التليد بحماية امن اسرائيل, واستمرار تفوقها العسكري على مجموع دول الجوار! على ان اتفاق اوسلو لم يخل من (تنازل) اسرائيلي, ضخمه المتنفذون في قيادة منظمة التحرير اكثر مما ينبغي وتمثل هذا (التنازل) في مجرد اعتراف اللص بضحيته فحسب, اي اعتراف اسرائيل بالشعب الفلسطيني وبمنظمة التحرير ممثلا له, ما مكن اسرائيل من ان تعيد صياغة علاقاتها مع العالم, على حساب المصالح العربية. وانفتح الباب لتحويل فلسطينيين من طليعة وطنية وقومية مناضلة الى اداة لحماية امن اسرائيل والاسرائيليين وغدت مناطق الحكم الذاتي شريطا حدوديا جديدا. ولم يعد الحوار مع اسرائيل ضمن المحرمات بعد ان كانت اسرائيل معزولة, منبوذة يحدق بها الاعداء الذين يعملون على انهاء اغتصابها للأرض العربية واهتزت منظومة الصف الوطني الفلسطيني وحرم الشعب الفلسطيني من العودة ومن حق تقرير المصير, ومن اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس فيما اطلقت يد اسرائىل في الاستيطان وابتلاع المزيد من الارض والسطو على النسبة الاكبر من المياه. هكذا, ابتعد اتفاق الاذعان كثيرا عن الحد الادنى من طموحات الشعب الفلسطيني وقد كشف قياديون من (فتح) ان نص الاتفاق اعدته حكومة اسرائيل بنفسها لذا ترك آثارا سلبية عدة في غير مجال. الآثار العاجلة بعيدا عن التفاصيل, ومن أجل الدخول السريع الى الآثار, يمكن رصد ما يلي: * فلسطينيا, هبط اتفاق اوسلو بالاراضي المحتلة الى مجرد اراض متنازع عليها فطوى مظلة الشرعية الدولية عن المقاومة الوطنية كما مزق الاتفاق الشعب الفلسطيني, على اساس جغرافي ما بين مهاجري 1948 الذين اسقطهم الاتفاق من حسابه وبين نازحي 1967 الذين وعد الاتفاق باعادتهم الى الضفة والقطاع بالتقسيط على مدى عشرات السنين وبين الذين صمدوا في فلسطين المحتلة منذ 1948 عدا فلسطينيي الداخل والضفة والقطاع فضلا عن فلسطينيي الخارج. ناهيك عن تحويل الاتفاق بعض فدائيي الامس الى احتلال بالوكالة متدني الكلفة وملقاط جمر المقاومة الوطنية, ناهيك عن رهن القرار السياسي الفلسطيني لدى اسرائيل. * عربيا افضى الاتفاق الى سلخ القضية الفلسطينية عن عمقها العربي فزادها ضعفا واسلمها فريسة سهلة للعدو الاسرائيلي كمااظهر الاتفاق من يفترض فيه انه صاحب القضية وقد تخلى عن اشقائه الذين خفوا لنجدته فضلا عن ان الاتفاق سهل لكل متلهف من الحكام العرب على الصلح مع اسرائىل تحقيق تلهفه هذا ناهيك عن سقوط برقع الحياء عن وجه دعاة (التطبيع) مع اسرائيل فحثوا خطاهم في هذا الاتجاه. * ودوليا, اسقطت القيادة الفلسطينية المتنفذة بالاتفاق, القضية التي سبق للشعب الفلسطيني ان رفعها امام المحافل الدولية منذ خمس واربعين سنة قبل (اتفاق اوسلو) فيما اجبر الاتفاق نفسه الامم المتحدة على ان تخلي موقع المرجعية الدولية للادارة الامريكية. البديل يفجعونك بالسؤال: (ما البديل) ! على ان الاجابة واضحة ومتاحة فأولا ان مجرد النطق بهذا السؤال يعني بأن القيادة عجزت عن ايجاد بديل ومن عجز عليه الاسراع بالتنحي لعل غيره يجد بديلا ثم ما هي وظيفة القيادة, ان لم تكن ايجاد بدائل؟! وثانيا فإن ترديد هذا السؤال يعني بأن ثمة خطيئة, او اكثر قد ارتكبتها القيادة المتنفذة. وثالثا, ثمة بديل واقعي مؤاده ترك الاردن يستعيد الضفة الغربية وكانت اسرائيل وعدت الملك حسين برد 98 في المئة من الضفة اليه. كما ان على مصر مسئولية استعادة قطاع غزة وأمره سهل. فيما تبدأ منظمة التحرير من جديد, لاستكمال برنامجها لتحرير فلسطيني الذي وعدت به منذ نحو اربعة عقود هنا تتحرك المنظمة متحررة من اية قيود, او اتفاقات وبشروط افضل, بما لا يقاس عما ورطتنا به القيادة المتنفذة.