مبلغ علمي انه الكتاب الاول من نوعه. هذا هو الكتاب المرجعي الوثائقي الذي صدر في لندن بعنوان: (العراق تحت الحصار: الآثار القاتلة للعقوبات والحرب) . أجل, لقد صدر قبل ذلك في العام الماضي كتاب الامريكي سكوت ريتر الذي يفضح اسرار جانب من الجرم الامريكي تجاه العراق وشعبه. لكن العقوبات والحصار لم يكونا الموضوع الذي تخيره ريتر لكتابه. فقد حصر ريتر نفسه في مسألة عملية التفتيش الدولي عن اسلحة ومواد الدمار الشامل في العراق وتدميرها حيث اثبت بالروايات المعضدة بالبينة والوثائق كيف ان المهمة الاساسية للجنة التفتيش والفرق التابعة لها سواء تحت رئاسة السويدي رولف ايكيوس او الاسترالي وليام تبلر, كانت ممارسة التجسس على العراق وإرسال المعلومات الاستخبارية التي يتم الحصول عليها الى كل من وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية والموساد الاسرائيلي. كتاب (العراق تحت الحصار) ليس كتابا بالشكل المألوف. فهو عبارة عن مجموعة مقالات وأبحاث من تأليف مجموعة من الخبراء الغربيين بينهم من عمل في العراق بتكليف من الامم المتحدة. وما يجمع عليه اصحاب هذه المقالات والأبحاث رغم اختلاف زواياها وطرق تناولها, ان العقوبات اسفرت عن تدمير كامل تقريبا للعراق. فقد انهارت الانظمة الصحية ونظام التعليم.. وتآكلت البنى التحتية في الزراعة والري والصناعة.. وتلاشت الطبقة الوسطى بعد ان تحولت جماهيرها الى عاطلين ومتسولين.. والأطفال يموتون. نحن لسنا بازاء مقالات وأبحاث دعائية ديماغوجية تستهدف استدرار عطف عالمي بطريقة رخيصة او تعكس دوافع سياسية مشبوهة معينة. فلو كان اصحاب هذه المقالات والبحوث عربا لجاز اتهامهم بالتحيز سياسيا الى قضية العراق وشعبه. فالمشاركون في الكتاب خبراء فنيون غربيون محايدون يطرحون رصدا معلوماتيا مؤيدا بالشواهد والوثائق. وعندما يقول احدهم مثلا ان العقوبات تؤدي الى موت الاطفال العراقيين باعداد كبيرة فانه يشير الى أحدث احصائية صادرة عن (منظمة الامم المتحدة لاغاثة الاطفال) التي تقول ان معدل وفيات الاطفال في العراق يبلغ نحو 150 طفلا كل يوم. لذا فان دينيس هاليداي عندما يقول في مقالته دفعة واحدة ان الشعب العراقي في حالة ابادة, فان هذه الكلمة (ابادة) لا يمكن بحال من الاحوال ان تكون من قبيل المبالغة او المحسنات البلاغية لان هاليداي كان حتى قريب في بغداد يعتلي منصب (المنسق العام لبرنامج النفط مقابل الغذاء) قبل ان يتقدم باستقالته احتجاجا على الابادة. و(برنامج النفط مقابل الغذاء) هو اللعبة الامريكية الشريرة التي تفضحها كل المقالات المنشورة تقريبا على اساس ان افعال واشنطن لا تتطابق مع أقوالها. وهكذا تكشف المقالات بالتفاصيل كيف يعمد ممثلو الولايات المتحدة (ومعهم ممثلو بريطانيا) الى عرقلة اي طلب عراقي الى اللجنة بحجة ان المواد او التجهيزات المطلوبة يمكن ان تكون ذات (استخدام مزدوج) .. ومن ذلك مثلا أجهزة فحص القلب والرئة للمستشفيات وأجهزة مكافحة الحريق ومواد التنظيف وطلمبات المياه.. وحتى أقلام الرصاص! هذا كتاب غربي.. مؤلفوه وناشروه غربيون.. ومحوره الأساسي ان العراق يتعرض للابادة كشعب وللارتداد الى العصر الحجري كدولة. فكيف لا تزال حكومات عربية من المفترض ان تكون في مقدمة من يدافعون عن شعب شقيق تردد مقولة (الالتزام بالشرعية الدولية اولا) ؟ ان نوايا واشنطن مكشوفة ومفضوحة: لا عودة لعراق قوي يمكن ان يسهم في تهديد امن اسرائيل.. فما هي نوايا الحكومات العربية؟.