حكاية سفاح صنعاء كما تسميه وسائل الاعلام عندنا تفرض نفسها على الصفحات الأولى, فهل يستحق هذا السفاح ذو الوجه المرعب والنظرات المخيفة تسليط كل هذا الضوء الاعلامي عليه؟ أم ان تفصيل الأمر في حكايته له مغزى آخر؟ الجريمة هي الجريمة سواء ارتكبت في صنعاء أو في نيويورك وسواء ارتكبها عامل مشرحة عديم الاحساس والضمير أو طالب مدرسة مشحون بسوءات المجتمع, بدءا من الأسرة وانتهاء بالاعلام وانحرافات الشارع ونظام التربية والتعليم, فالجريمة في كلا الحالين, اختراق لأمن المجتمع وأمان الإنسان, وقبل كل شيء تحطيم لإنسانية الإنسان ودخوله باصرار إلى الهاوية الحيوانية. ولأول مرة في حياتي أقرأ تفاصيل استجواب مجرم, ذلك انني من الناس الذين لا تستهويهم حكايات الجرائم, وقصص القتل والسرقة والخيانات الزوجية, سواء في المسلسلات المكسيكية أو الأفلام العربية والهندية, أو تلك التي تتفنن بعض الصحف والمجلات في نشرها امعانا في جذب القراء المتلهفين على هذا النوع من الكتابات! في التحقيق مع من يسمى بـ (سفاح صنعاء) أقوال كثيرة وأسماء عديدة لضحايا وشركاء وجيوش من المؤثرين والدافعين به إلى حافة الهاوية, ولأنه رجل (بيولوجيا فقط) احتشدت في داخله قدرة رهيبة على قتل وتقطيع جثث وسلخ جلود وتذويب أعضاء بشرية في الاسيد لعدد من النساء تجاوز الـ 16 ضحية, فأنا لم أصدق أغلب ما قاله السفاح, لأن من يرتكب هذه الجرائم بقلب ميت, يكذب ببساطة من يحتسي فنجان شاي. لكن وبلا شك هناك شيء مما قاله قابل للتصديق على الأقل فيما يتعلق باعترافه بجرائم القتل. وصف الجرائم وطريقة القتل وطقوس التقطيع والسلخ وبيع العظام, لا يمكن احتمالها بأي حال, انها من قبيل أفلام الرعب أو الجنس الفاضح التي لا يسمح لأي فئة عمرية بمشاهدتها, ومع ذلك فحديث الرجل واعترافاته مباحة لأي مراهق لقراءتها وبنهم! وهذا أول حروف السؤال الخطير: كيف تنتشر الجريمة في المجتمع؟ إن التقليد عن طريق القراءة والمشاهدة إحدى الخطوات, ولذلك عندما نشر تقرير (ستار) المحقق الأمريكي في قضية كلينتون - مونيكا على الانترنت وضع تحذير للأهالي بعدم السماح لأبنائهم بالدخول للموقع. إن نشر الجريمة بتفاصيلها وبشكل مطلق أمر فيه نظر ويحتاج إلى بحث بعد أن غزت حكايات الجريمة صحفنا ومجلاتنا بشكل لافت, وها هو (سفاح صنعاء) يقول باختصار (لقد رأيت أبي يقتل عشيق والدتي ويقطعه اربا اربا, فتربت في داخلي عقدة كراهية النساء والرغبة في القتل) ! انه ليس أقبح من الجريمة وليس أسوأ من المساعدة على نشرها. وبرغم كل حجج الصحافة وبرغم علمنا بنبل رسالة الصحفي الراغب في تنبيه المجتمع والسلطات والأهالي, وفي ايقاظ الضمائر وتحريك القلوب ضد الجريمة, إلا انني أرى في قضية (سفاح صنعاء) وجها آخر, لو تم الاقتراب منه لتحولت المسألة من نشر تفاصيل مقززة لجرائم قتل إلى الدخول في مسلسل الفساد الإداري والمجتمعي الذي سمح بظهور سفاح بهذا القبح وجرائم بهذه السادية, خاصة وان السفاح قد كرر مرارا بأن ما ساعده على التوغل في جرائمه حالة التسيب في الكلية والفساد الإداري فيها, إذن الجريمة ليست دائما انحراف طبيعة بشرية فقط, لكنها الظروف الملائمة لاستنبات مجرمين بهذا المقدار من البشاعة.