ليس امام القارة السمراء (افريقيا) التي تحفل بالكثير من الثروات والحروب وبؤر التوتر في آن معا إلا افساح المجال امام الحكمة والاستماع إلى صوت العقل لتجاوز قائمة (المهلكات) الطويلة سواء القائم منها أو تلك التي تستدعيها إراديا وبوعي بعض الانظمة التي اعتادت العيش في اجواء التوتر والحروب, ومن دواعي السخرية والعجب ان هذا النوع من التفكير اصبح يفتعل الازمة أو يختلقها اختلاقا ليقفز وبسرعة إلى نتيجة الحرب التي ادمن العيش فيها. الجميع اصيب بالحيرة والدهشة عند اندلاع الحرب بين اثيوبيا واريتريا قبل عامين, والجميع زادت حيرته ودهشته حينما رأى هذه الحرب تتجدد مؤخرا, فهناك اكثر من سبب يضاعف حالة الدهشة تلك لاسيما وان دولتين توأمين ونظامين كانا حليفين يفضلان التسلية بدماء شعبيهما في حروب سوداء كالحة وقودها الشعب والاجيال الحالية أو المقبلة. لكن بارقة الامل التي لاحت بالامس باعلان اثيوبيا انها ستسحب قواتها وذلك بالتزامن مع بدء استئناف مباحثات الوساطة غير المباشرة بين البلدين في الجزائر, بحاجة إلى ما يدعمها وبسرعة ليس من الخارج ولكن من قبل اصحاب القرار في اثيوبيا واريتريا, واقل ما يمكن قبوله في هذه المرحلة هو الموافقة على وقف اطلاق النار وفورا بين البلدين ليصبح مدخلا للوصول إلى صيغة حل نهائي تضمن عدم بعث مثل هذه الحروب مستقبلا بين البلدين, ووجود ضمانات حقيقية للحيلولة دون تكرار محرقة السلاح مرة اخرى. واذا كانت حالة اثيوبيا واريتريا في القرن الافريقي هي الادعى لاهتمامنا نحن العرب لاعتبارات كثيرة في مقدمتها ارتباط هذه المنطقة الحساسة بالامن القومي العربي, الا ان مجمل النزاعات الافريقية المنسية من قبل النظام العالمي الجديد (وزمن العولمة) تلقي بالمسئولية على القيادة السياسية في هذه القارة لتفعيل الاطار الاقليمي الذي يجمع دولهم ممثلا في منظمة الوحدة الافريقية لاحتواء مشاكل هذه القارة في حينها ومنع تفاقمها. ولعل استضافة الجزائر للوساطة بين اثيوبيا واريتريا تعد علامة تفاؤل طيبة لاحتواء الصراع بين البلدين عن طريق الوسائل الدبلوماسية وهذا من شأنه ان يكرس قيمة هذا الحل في بقية النزاعات التي تشهدها القارة ويجعل الانظمة السياسية تعي جيدا مسئوليتها تجاه شعوبها.