نعم.. لا مفر من المقارنة.. ونحن نشهد عرس تحرير الجنوب اللبناني والاندحار الذليل لجيش اسرائيل الذي كان (لا يقهر) فأصبح يقهر ويخرج مهزوما مدحورا ويتم تصوير فضيحته بالصوت والصورة ويشاهدها العالم كله على الهواء, ونحن نعيش هذه الايام الرائعة لابد أن يقفز إلى الذهن الجانب الآخر من الصورة فنسأل.. وأين وصلت مسيرة الشجعان إياها؟ وكيف انتهى الحديث حول مناطق (أ) و (ب) و (ج) على الارض الفلسطينية المحتلة؟ وما الذي فعله شركاء السلام وحلفاء التسوية؟ وإلى أين ستؤدي المباحثات السرية والعلنية؟ وهل ستعود القدس كما عادت أرض الجنوب اللبناني؟ و.. آلاف الأسئلة التي تفرضها اللحظة بكل روعتها, وبكل أساها أيضا! لا مفر من المقارنة.. صحيح أن الظروف تختلف. وما تقبله اسرائيل هنا قد لا تقبله هناك كما يقول البعض, وأطماع اسرائيل بفلسطين لا تقارن بأطماعها في لبنان. والمنسحبون من الضفة لا تستقبلهم اسرائيل بالاحضان ودموع الفرح كما استقبلت العائدين من جنوب لبنان, والجندي الصهيوني الذي يقتل على أرض فلسطين المحتلة ستجد الحكومة الاسرائيلية ما تبرر به وجوده وقتاله وسيكون (بطلا) في عيون الناس هناك وهو أمر يصعب حدوثه مع القتلى من جنود الاحتلال على أرض لبنان الذين خرجت المظاهرات قبل ذلك في قلب تل أبيب مرارا لتطالب بعودتهم من (الجحيم) من الجنوب اللبناني, وقد نجح باراك في الانتخابات لأنه وعد باعادتهم من هذا الـ (جحيم) . صحيح كل ذلك, ولكن الصحيح أيضا أن انقسام المجتمع الاسرائيلي حول التواجد في لبنان لم يكن لأسباب دينية, وانحياز الاغلبية هناك للانسحاب دون قيد أو شرط لم يكن من (اعمال الخير) وإنما كان لأن الجنوب تحول الـ (جحيم) لاسرائيل ومقبرة لجنودها . واسرائيل لم تقبل قرار الامم المتحدة رقم 425 الذي طالما اعلنت رفضها له.. لأن ضميرها استيقظ فجأة, وإنما لأن ضربات المقاومة أوجعتها, ولأن كل محاولاتها لوقف النزيف الدموي لجيشها في جنوب لبنان قد أخفقت, وكل محاولتها لجر المقاومة الوطنية اللبنانية إلى سرداب التسويات والمفاوضات قد فشلت, وكل جهودها (ومعها أمريكا وإعلام الغرب) لتصوير المقاتلين لتحرير لبنان من وصمة الاحتلال على أنهم (إرهابيون) لم تؤد إلى نتيجة. فالعالم في النهاية يحترم الاقوياء والحقيقة - إذا وجدت من يدافع عنها - لابد أن تنتصر مهما طال الطريق وتعاظمت التضحيات, ولعلنا نذكر هنا (بالأسف الشديد) أن بعض صحفنا ومحطاتنا التليفزيونية العربية كانت حتى وقت قريب تلصق تهم (الارهاب) بالمقاومة الوطنية اللبنانية, ولا تتورع عن توزيع اتهامات العمالة لايران لها كلما نفذت عملية فدائية ضد العدو. ونفس الصحف والتليفزيونات تشارك الآن في عرس شهداء المقاومة بتحرير الارض وإذلال العدو الصهويني. ولم يحدث ذلك لأن الافكار تغيرت ولا السلطات المهيمنة على هذه الصحف والمجلات قد تبدلت أحوالها, ولكن لأن المقاومة تمسكت بطريقها الذي لا طريق سواه, والسلاح لم يتم القاؤه كما فعل آخرون, والمناورات السياسية لم تأخذ المقاومة إلى دهاليز المفاوضات بحثا عن سلام موهوم! لقد بقي السلاح مرفوعا, وظلت المقاومة في قتالها العادل, واستمر الشهداء يتساقطون.. حتى كان النصر الذي لابد منه, والذي لابد أن نفتح معه باب المقارنة مع النهج الآخر الذي قاد الفلسطينيين إلى المأزق الذي تشتد وطأته يوما بعد يوم. إن التضحيات التي قدمها شعب فلسطين الصامد كانت بلا شك تستحق نهاية أكثر إنصافا وعدلا, وأكثر احتراما لأرواح الشهداء وحقوق الاجيال المقبلة من النهاية التي يجري التخطيط لها الآن. نعرف أن الموقف كان أصعب من الموقف على الساحة اللبنانية, ولكن المقاومة الفلسطينية كانت تملك أيضا الكثير, كانت تملك ميراثا من النضال المسلح قبل أن يغلق العرب الابواب والحدود في وجهها, وكانت تملك الحق والسلاح والكوادر وتأييدا عربيا واسلاميا ودوليا كبيرا, وكان الاهم من ذلك كله هو الشعب القادر على صنع (الانتفاضة) في أصعب الظروف والتي فاجأ بها الجميع حتى القيادة السياسية نفسها, فإذا بخطاها تتخبط, وبدلا من أن تصبح الانتفاضة بداية حقيقية لمقاومة عاتية تنطلق من الداخل ولا تتوقف حتى نهاية الطريق.. إذا بالمؤامرات تطوق الانتفاضة, ومنافسات الفصائل تضعفها, وأحلام الزعامات الصغيرة بانتصارات اصغر تقضي على الطموح المشروع بالتحرير الكامل والاستقلال الحقيقي. نعم.. كانت هناك عوامل خارجية أثرت سلبيا على الانتفاضة في مقدمتها اندلاع حرب الخليج الثانية التي كانت كارثة كاملة للعرب جميعا, ومنها أيضا انهيار المعسكر الاشتراكي وزوال الاتحاد السوفيتي وانفراد أمريكا بالعالم, لكن الاهم من ذلك كله كانت العوامل الداخلية, والصراعات الحزبية على قيادة الانتفاضة, ومع ذلك فقد أوجعت الانتفاضة اسرائيل التي اضطرت في بعض المراحل إلى اعلان عزمها الانسحاب من طرف واحد من قطاع غزة كما فعلت أخيرا في لبنان, لكن الوضع هنا أختلف, وبدون الدخول في تفاصيل, فقد وجدت في اسرائيل أطرافا فلسطينية تخشى من تنفيذ التهديد الاسرائيلي بالانسحاب من غزة, ووجدت في قيادات الخارج استعدادا للدخول في مساومات سياسية خوفا من فقدان النفوذ في الداخل, وكانت النتيجة أن تآمر الجميع على الانتفاضة, وأضاعوا الفرصة, وبدأوا المسيرة التي قادتهم إلى أوسلو وتداعياتها المريرة حتى الآن. وهذا هو الفرق.. في لبنان بدأت المقاومة من الصفر, ولكنها استمرت تعمل دون ضجيج, وتقاتل بعقيدة استشهادية, وترفض المساومة أيا كانت, وتتحمل الضربات الوحشية من النازية الصهيونية على المدنيين قبل العسكريين, على الشيوخ والاطفال قبل المقاتلين, وترفض أي تنازل عن الحقوق المشروعة, وتدرك أن اللغة العصرية التي تفهمها اسرائيل هي لغة القوة, وأن الصهاينة لن يرحلوا إلا إذا تحولت الارض اللبنانية إلى مقبرة لهم. على الجانب الآخر.. ارتكبت القيادة الفلسطينية كل الاخطاء الممكنة وغير الممكنة. أوقفت الانتفاضة وقدمت الاعتراف المهين بأن المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الاسرائيلي هي ارهاب يجب وقفه ومحاكمته, وأعطت لاسرائيل ما ارادته كاملا غير منقوص دون أن تحصل على شيء, وتنازلت عن 80 % من أرض فلسطين التاريخية لتصبح أرض اسرائيل باعتراف فلسطيني رسمي, وليتها حصلت على ما تبقى أو أنهت الاحتلال أو اعادت السيطرة العربية للقدس المحتلة, أو فتحت الطريق لعودة اللاجئين الفلسطينين لوطنهم المغتصب, بل رضيت بأن يكون كل ذلك محل تفاوض, وأي تفاوض يكون بين من ألقى السلاح في مواجهة ترسانة أسلحة تحكمها عصابة تعلن على الملأ أنها لا تؤمن الا بمنطق واحد هو منطق القوة؟ وأي تفاوض يكون بعد أن قبلت السلطة الفلسطينية أن تكون مسؤولة عن أمن جنود الاحتلال الاسرائيلي؟ وأي تفاوض يكون والسلطة الفلسطينية تتوسل للاسرائيليين ليسمحوا للعمال الفلسطينيين المقهورين من الجميع بالعمل في اسرا ئيل ليكسبوا قوت يومهم ولو بالمساهمة في بناء المستوطنات. وأي تفاوض يكون إذا كانت الاوراق الفلسطينية قد تم تسليمها مقدما, والقضايا المصيرية قد تم تأجيلها؟ وأي نتيجة يمكن أن تصل إليها المفاوضات إلا التسليم بكل ما تريده اسرائيل, والرضوخ الكامل لطلباتها؟ وأي نهاية تنتظر إذا كانت البداية هي التسليم بأن أوراق اللعبة في يد امريكا التي تعلن عشرين مرة في اليوم انحيازها الكامل لإسرائيل؟ وكيف نطالب بإحترام الشرعية الدولية إذا كنا نقر بإهدار كل القرارات الدولية ونقبل الحل بشرعية القوة التي تفرضها أمريكا واسرائيل, ونحاو ل استرداده بالمفاوضات السرية والوعود الامريكية وباستصدار شهادات حسن السير والسلوك للسلطة الفلسطينية التي لم يعد لها حول ولا قوة بعد أن قدمت كل التنازلات, وأدانت الكفاح المسلح, ولم يعد أمامها إلا انتظار (معجزة) تهدي الامريكيين لأن ينصفوا ويضغطوا, وتهدي الاسرائيليين لأن يقدموا شيئا تتجمل به السلطة الفلسطينية وتقدمه للجماهير الفلسطينية الصابرة على أنه حصيلة واقعية لنضال السنين وتضحيات الشهداء! وأظن أن هذه (المعجزة) إذا تحققت, فلن يكون ذلك إلى على حساب ما تبقى من حقوق فلسطينية يصعب التفريط فيها والمساومة عليها, بدءا من الارض والمياه, وانتهاء بالقدس وحق العودة, وأظن أن ذلك هو المغزى الحقيقي لاستقالة ياسر عبد ربه, فالرجل الذي شارك في مأساة أوسلو لا يضيره أن يذهب غيره إلى (ستوكهولم) ولا يزعجه أن تتعدد الوفود أو تتعدد مسارات المفاوضات بين علنية وسرية, فقد فعلها بنفسه قبل ذلك, وإنما المأساة الحقيقية أن ملامح الاتفاق قد ظهرت, وهي تتناقض مع كل الثوابت الفلسطينية التي تم الاعلان عنها, وتتنازل عما كان لا يتصور حتى أهل (أوسلو) ومؤيدوها أنه يمكن التنازل عنه. والمأساة أن كل ذي عينين كان لابد أن يدرك أن طريق أوسلو لا يمكن أن يقود إلا لهذه النهاية, وسواء جاءت النهاية في ستوكهولم أو غيرها, فالحقيقة المرة أن ما يجري ليس تفاوضا بل هو إملاء للإرادة الاسرائيلية كاملة غير منقوصة, وهو عقد إذعان يقر به الطرف الاضعف بكل مطالب الطرف الاقوى. ولقد قلنا مرارا إن المفاوضات الجادة الوحيدة التي تجري مع العدو الصهيوني هي تلك التي تجري على أرض لبنان بين المقاومة الوطنية وجيش الاحتلال, ولأن المقاومة خاضت معركتها بحكمة, وبنت تحالفاتها دون انتهازية, وتمسكت بأوراقها في يدها ورفضت القاء السلاح ومازالت ترفض حتى يتحرر كل شبر من الارض, فقد كان حتما أن تكسب المعركة. .. ولا مفر من المقارنة. ففي الوقت الذي كانت حجافل الجيش الاسرائيلي تهرول مذعورة من جنوب لبنان وجنودها يتبادلون التهاني بالنجاة من الجحيم الذي عاشوا فيه, كان باراك يستأسد في مواجهة السلطة الفلسطينية ويحملها مسؤولية المظاهرات التي قام بها الشباب الفلسطيني مطالبا بعودة أسراه من السجون الاسرائيلية, وفي الوقت الذي كانت الجماهير اللبنانية تزحف نحو القرى المحررة في الجنوب, وإسرائيل تعترف بالهزيمة الكاملة, كانت السلطة الفلسطينية تتلقى خبر معاقبتها بتعليق المفاوضات (السرية) التي تجري في ستوكهولم, وفي الوقت الذي كانت الامة العربية تحتفل بعرس المقاومة اللبنانية كان سلام الشجعان أياه يلخص نفسه في مبارة لكرة القدم يشارك فيها لاعبون فلسطينيون واسرائيليون في أحد ملاعب ايطاليا, وعلى الهامش كان شيمون بيريز سفاح قانا يتلقى تأكيدات عرفات بأن (الاضطرابات) التي شهدتها الضفة قد توقفت, وأن الشاب الذي ألقى زجاجة حارقة على المستوطنين الاسرائيليين قد تم اعتقاله, وأن كل شيء هادئ ومهيأ لاستئناف المسيرة!! و.. سلام لشهداء المقاومة اللبنانية في عرس الجنوب المحرر. وسلام لشهداء فلسطين الذين يطالبهم البعض الآن بالاعتذار! و.. سلام على كل من ساهم في زرع هذه الايام العظيمة في صحراء الزمن العربي الرديء. وأكد لنا مرة أخرى أن هزيمة العدو - مهما كانت قوته - ممكنة, وضروية وحتمية, إذا ما امتلكنا الارادة ولم ندمن تقديم التنازلات. و.. سلام على من أعاد طرح الاسئلة الضرورية على الضمير العربي, وجعلنا نعيد النظر في كل من حولنا, وأكد اليقين بأنه لا مفر اليوم من المقارنة, ولا مهرب - غدا - من الحساب!