كلما طال أمد الحرب الدائرة بين اثيوبيا واريتريا كلما ضعف نظام الرئيس أسياس أفورقي. وكلما ضعف النظام الحاكم الراهن في أسمرا وتضعضع وتفكك كلما انعكس ذلك سلبا على مستقبل (التجمع) السوداني المعارض. وبعد مرور ما يقارب ثلاثة اسابيع من اندلاع القتال، تتضح رويدا معالم الأجندة الخفية السياسية التي أعدتها أديس أبابا كأهداف مسبقة. ومما يستنبط من تصريحات المسئولين الاثيوبيين والمشهد القتالي المتحرك على الارض يبدو ان الاطاحة بنظام الرئيس أفورقي احتمال ليس مستبعدا من هذه الاجندة. وفي كل الاحوال, وحتى لو بقي النظام الحاكم على قيد الحياة السياسية فان اريتريا ما بعد الحرب سوف تكون لمدى سنين طويلة دولة عاجزة عسكريا, مفككة أمنيا, مدمرة اقتصاديا.. ومنكفئة على ذاتها. وعلى الصعيد الموازي سوف تعيد اثيوبيا اثبات وجودها على اساس انها القوة الاقليمية الكبرى في القرن الافريقي. كل ذلك سوف ينعكس بصورة سالبة على (التجمع) السوداني المعارض الذي يتخذ من العاصمة الاريترية أسمرا مقرا رئيسيا لعمله السياسي, ومن الاراضي الاريترية المحاذية للحدود السودانية قواعد لنشاط فصائله العسكرية عبر الحدود. هذا الوجود السياسي والعسكري الآن عرضة للتصفية في اريتريا ما بعد الحرب. فالوهن الهيكلي الذي سوف يصيب الدولة الاريترية لمدى سنين سواء بقي نظام افورقي او انتهى سوف يضطرها الى تبني سياسة خارجية قوامها الأساسي المهادنة مع جيران العدو الاثيوبي, وعلى الاخص جيبوتي والسودان. وغالبا ما سيكون من نتائج مثل هذه السياسة الجديدة ـ او أسبابها ـ مقايضة علاقة أسمرا مع (التجمع) بعلاقة ودية مع النظام السوداني الحاكم. بكلمات اخرى سوف ينتهي الدور الأريتري في معادلة الصراع السوداني. وبالتداعي, فان هذا مما يقوي الدور المصري. نتوقع اذن ان تتلاشى اواصر القربى السياسية بين (التجمع) وأسمرا وتصفية معسكراته الحدودية وطرد كوادرها القتالية. وربما تفرز نهاية الحرب الاثيوبية الأريترية مفاجأة اخرى. فقد تتمكن قوات الحكومة السودانية من تحرير مدينتي (الكرمك) و(قيسان) على الحدود مع اثيوبيا من قوات قرنق بمساعدة اثيوبيا. هناك نستذكر اتفاق (التعاون الاستراتيجي) بين السودان واثيوبيا الذي جرى التوقيع عليه قبيل اسابيع من اشتعال الحرب.. وان من بين بنوده ان يقوم الطرف السوداني بإمداد الطرف الاثيوبي بالوقود مما يحمل على الاعتقاد بأن الدبابات والمدرعات الاثيوبية كانت تنطلق في ميادين المعارك بوقود سوداني. شاهد القول في هذا السياق ان مرحلة ما بعد الحرب غالبا ما سوف تشهد صعود دور القاهرة في معادلة الصراع السوداني مع ضمور ونهاية دور أسمرا على خط مواز. وانتهاء الدور الاريتري سوف ينعكس ايضا بالسلب على مبادرة (إيقاد) بزوال الدعم السياسي الاريتري لحركة قرنق في اطار المبادرة واتخاذ اثيوبيا موقفا اكثر مساندة للطرف الحكومي السوداني. ومع تعاظم الدور المصري المرتقب فانه ربما يكون من نتائج الحرب أيضا اكتساب المبادرة المصرية الليبية زخما أشد. في كل الاحوال فاننا سوف نكتشف بعد نهاية الحرب الاثيوبية الاريترية ان هذه الحرب تمثل حدا فاصلا بين مرحلتين مختلفتين في منطقة القرن الافريقي وما حولها بما في ذلك السودان.