لا يملك المتابع لشئون الحكم في عالمنا العربي والاسلامي والعالم عامة خلال النصف الاخير من القرن العشرين الا ان يلاحظ ما آل اليه مصير عدد لا بأس به من رؤساء الحكومات الذين اصابهم ما اسميه: (محنة رؤساء الحكومات) فقد قتل عدد منهم وانتحر عدد آخر، وقضى بعضهم سنوات من حياتهم بالسجن وآخرون بالمنفى ولم ينجح بجلده من (رئاسة الحكومة) الا نفر قليل ومن رحم ربك. آخر رؤساء الحكومات الذين حلت عليهم لعنة رؤساء الحكومات كان المرحوم محمود الزعبي الذي لا يمكن الخوض فيما اعلن من قضايا تتعلق به الا بعد صدور حكم التاريخ.. فالرجل رحمة الله عليه في ذمة الله سبحانه وتعالى بعد ان قضى اكثر من ثلث قرن في مسئوليات الدولة العليا... ثم فجأة انهالت عليه بعض الصحف بالتهم قبل المحاكم وكأنما اصدرت حكمها قبل التحقيق, فتحول قلم الصحافة الى قلم التحقيق وتحولت الصحف اليومية الى لوائح اتهام وأكل بعضهم لحم الرجل ميتا كما اكلوه حيا. والله سبحانه احكم الحاكمين كما جاء في آخر سورة التين. وقبله بسنوات انتحر رئيس الحكومة الفرنسية الراحل/ بيار بيريجوفوا وكان رجلا مستقيما طول حياته صديقا للرئيس الراحل فرانسوا ميتران وكان وزيرا للاقتصاد والمالية وقد بدأ حياته عاملا ميكانيكيا في صناعة السيارات وتدرج بدون مؤهلات علمية في مناصب النقابات ثم الدولة الى ان عينه/ ميتران رئيسا للحكومة عام 1983. وكان بيريجوفوا شديد الاعتزاز بهذه المسيرة العصامية والغريب انه وصل منصب رئيس الحكومة وهو لا يملك بيتا خاصا, فاقترض مبلغ مليون فرنك (اليوم حوالي 500 ألف ريال) من صديق له مدير بنك بدون فوائد كبيرة واشترى له شقة متواضعة في باريس... فبدأت بعض الصحف الفرنسية الصفراء تهمز وتلمز ثم اصبحت تطعن في نظافته وهي كل رصيده الاخلاقي السياسي وذات يوم كان يتجول مع سائقه على ضفاف نهر صغير قريب من قريته الوديعة, فأخذ مسدس السائق وهو حارس في الوقت نفسه وانعزل تحت شجرة في الغابة واطلق النار على نفسه. وقال الرئيس ميتران آنئذ كلمته الشهيرة عن صديقه/ بياربيريجوفوا: (لقد رمت الصحافة لحمه للكلاب...) ومنذ عام جاء دور المسكين نواز شريف ليقتاد من قصر الحكومة الى زنزانة في لمح البصر ولا يزال مصيره معلقا بقرار المحاكم وقبله حلت اللعنة نفسها على بناظير بوتو وفي ماليزيا ضربت كذلك انو رابراهيم. وقبل ذلك بسنوات عديدة كان مصير رئيس الحكومة الكونغولية باتريس لوممبا مصيرا تعيسا حيث اختطفه عام 1963 المرتزقة بأمر وتدبير من زعيم قبلي من مقاطعة كاتنغا يدعي موسى تشومبي وقتل شر قتلة في ادغال الكونغو. وكان القدر ارحم ببعض رؤساء الحكومات الآخرين, فكان نصيبهم المنفى الطويل مثل الاستاذ محمد مزالي الذي صادفت رئاسته للحكومة من سوء حظه العاثر ان الرئيس بورقيبة وصل الى ارذل العمر في الثمانينيات واصبح ينسف بيديه وهو شيخ هرم ما بناه في شبابه وكهولته لتونس من استقلال وتقدم وقبل مزالي كان الباهي الادغم رئيس اول وزارة مستقلة في تونس في العهد الجمهوري يتعرض للغضبات الشهيرة التي كان الزعيم الحبيب بوقيبة مغرما بها, وبعده جاء رئيس الحكومة المرحوم الهادي نويرة من سنة 1970 الى سنة 1980 ثم غادر رئاسة الحكومة بجلطة في المخ... ولا انسى انني عندما كنت عضوا باللجنة المركزية للحزب الدستوري عام 1980 وكان المرحوم الهادي نويرة مريضا جمعنا الرئيس بورقيبة في مقر الحزب اي اللجنة المركزية التي كانت تضم مئة عضو ـ وفوجئنا حين تكلم عن نجل الهادي نويرة شكيب نويرة بما معناه ان له علاقة ببعض ملفات سوء التصرف ومن ألطاف الله ان هناك من دافع عن الرجل دفاع حق فجنب بذلك المرحوم الهادي نويرة علقة من علقات بورقيبة المعروفة وما اكثرها, فحتى زوجته وسيلة بن عمار لم تنج منها وتم تطليقها بصورة مهينة. المهم كان الله في عون رؤساء الحكومات... ونحن نضرع اليه سبحانه ان يقيهم بالمؤسسات الدستورية حتى يأمنوا انحرافات الامزجة ووسواس بطانات السوء. فهم من فصيلة سياسية معرضة اكثر من سواها لأفدح الاخطار. اللهم خذ بأيديهم وبصرهم بعواقب الامور واجعل احسن ايامهم خواتيمها واسدل عليهم ستار العافية والديمقراطية ودولة المؤسسات انك مجيب الدعاء.