مبروك للبنانيين خروج قوات الاحتلال من جنوبهم فقد كان هذا الانسحاب بكل المعاني هو انتصارا لموقف شعب اراد ان يقرر مصير ارضه ومستقبله, ولقد وجد الكثيرون في هذا الانتصار مدعاة للفرح, لأنه احرق ورقة كانت اسرائيل دائما تستفيد منها في حساباتها الاقليمية وهو انتصار حقيقي ليس لان اصحابه قالوا ذلك, ولكن ايضا لأن العالم كله يشهد لهم به. فإن مجلة مثل (الايكونوميست) اللندنية الشهيرة وصفت خروج الجيش الاسرائيلي من الجنوب بأنه خرج من الجنوب وذيله بين رجليه, في كناية واضحة عن الخروج المذل والسريع وغير المنظم للكلاب عندما تفر مذعورة تحت وطأة الطرد. ولقد فاجأ حزب الله ايضا منتقديه بأن تعامل مع القرى اللبنانية المحررة من فيها من مسيحيين وسنة ودروز وغيرهم تعاملا حضاريا فلم يدع شهوة الانتقام تتغلب على عقلانية الوحدة الوطنية ولم تجعله نشوة الانتصار يفتئت على وجود الدولة او يتجاوز دورها. الى هنا والامر منطقي ومعقول, لكن يبقى التحدي الكبير الذي يواجه حزب الله هو تحد مستقبلي, وهو جزء من التحديات التي تواجه الدولة اللبنانية. لعل اول التحديات التي تواجه الدولة اللبنانية هو الوضع المستقبلي لمن بقي من جيش لبنان الجنوبي ومنتسبيه وهو احد اهم التحديات التي يواجهها حزب الله في الجنوب اللبناني. يزيد من صعوبته الاحتكاك المباشر بين الحزب ومن بقي من عناصر هذا الجيش او من سلم نفسه منهم. فتاريخ هذا الجيش لا يبدأ مع الاحتلال الاسرائيلي وان كان قد تضخم دوره وتعاظم بعده, ولكن وجوده كان نتاجا للحرب الاهلية اللبنانية منذ اواسط السبعينيات وبتشجيع من سياسيين لبنانيين وقتها, في اعقاب تفسخ الجيش اللبناني امام ضربات التقسيم القسري للبنان وقسوة الحرب الاهلية, فانسحب التقسيم الذي ساد لبنان انئذ على الجيش اللبناني, حتى تشرذم الى اكثر من فصيل في الشمال والشرق والجنوب. وكان الفرع الجنوبي هو الاكثر حساسية لأنه قريب من الحدود الشمالية لاسرائيل. وعلى عكس ما يتصور البعض فإن جيش لبنان الجنوبي ليس مشكلا حصرا من الطائفة المسيحية التي تتناثر قراها في الجنوب اللبناني وشعرت في وقت ما خاصة ابان تصاعد الحرب الاهلية بعزلة عن بقية الاراضي اللبنانية التي ترتبط بها, بل انه يحتوي ايضا على عناصر شيعية ودرزية جرى تجنيد بعضها على مر الزمن الطويل في العشرين سنة الماضية التي هي جزء من تاريخ الاحتلال الاسرائيلي الذي لقيه بعض القرويين في الجنوب عند قدومه بالقبول والرضا بعد ان عانى هؤلاء من مواقف لعناصر فلسطينية لم تكن منضبطة فأساءت الى ابناء الجنوب. هذه العناصر من الجيش الجنوبي التي فر بعضها الى اسرائيل وبعضها سلموا انفسهم لحزب الله او للسلطة اللبنانية لها الكثير من الجذور الاجتماعية والانسانية في الجنوب كما ان عناصرها تربو في بعض التقديرات على عشرة آلاف عنصر عدا القيادات الكبيرة والنافذة في هذا الجيش فإن اخراج جميع منتسبيها خاصة صغار المراتب من دائرة التفكير الواقعي لحل عملي لهم هو عمل مضر في المدى البعيد بالنسيج الاجتماعي اللبناني الذي ما زالت جروحه الناجمة عن تأثيرات الحرب الاهلية لم تندمل بعد. والسؤال الملح هنا: كيف تتصرف اولا قيادات حزب الله في الجنوب مع هذه العناصر التي سلمت نفسها له؟ ثم ما الموقف السياسي للدولةاللبنانية من جمهور هذا الجيش الكبير نسبيا الذي تربط بعض افراده صلات انسانية بالداخل اللبناني؟ هل سوف يعتبر ملف هذا الجيش في اغلبه تبعا لملف الحرب الاهلية, وبالتالي يقفل سياسيا ام هل يظل مفتوحا لإدماء جزء من الجسم اللبناني من جديد؟ الاقرب الى العقل والمنطق, وربما المصلحة اللبنانية بعيدة المدى ان يستفاد من الموقف الحالي بالسماح لمن يريد العودة من هؤلاء الجنود الذين فروا خوفا او هلعا من العقاب الى اسرائىل, ان يسمح لهم بالعودة فهم الآن في حاجة الى هذه العودة للمعيشة فوق تراب بلادهم خاصة بعد ان تبين ان اسرائيل لن تعتني بهم كما كانوا يعتقدون او يأملون وبالتالي فإن هذا العمل من فوائده ألا يشجع احدا في المستقبل لو تكررت الظروف على اقتراف ما قاموا به ومن طرف آخر تحرم اسرائيل من احتياطي بشري قد تستخدمه في مواقف لاحقة لا يعرف احد الآن مسارها او على اي السيناريوهات سوف تستوي لتحقيق مزيد من المكاسب السياسية. لعل التحدي الآخر بعد هذا الانتصار الكبير هو: ماذا سيفعل حزب الله الآن بعد ان حقق الهدف الذي كان يعلنه وظل زمنا طويلا يناضل من اجله وهو اجلاء قوات الاحتلال الاسرائيلي من الارض اللبنانية؟ هل سوف يترتب على هذا الانسحاب استتباب الامن في الجنوب ومن ثم يندمج حزب الله كحزب (سياسي) مع بقية الاحزاب الاهلية اللبنانية بعد ان يخلع عنه بزة الميليشيا ويتعاطى السياسة اللبنانية من خلال قواعد اللعبة الديمقراطية والتي لا تحتمل بالضرورة ان تقوم فئة من الفئات بتقرير ما يجب ان تتبعه الفئات الاخرى في الموضوعات السياسية والاجتماعية حيث ان السياسة اللبنانية سجال بين تلك الفئات (سواء تحت البرلمان او خارجه), ام سيظل مناضلا بالسلاح في مواجهة اسرائيل؟ هذا الموضوع طرح كثيرا في المراحل السابقة ولكنه كان طرحا نظريا في كل مرة اما اليوم فهو احتمال تنتظر نتائجه اطراف عدة في الداخل اللبناني والخارج في وقت قريب ذلك انه في حال العودة لاستخدام السلاح عبر الحدود فإن الوضع الدولي سوف يتحول من المناصرة للدولة اللبنانية الى انتقادها ومجابهتها وقتها ستكون الحجة بإخراج المحتل غير مقنعة للكثيرين في المجتمع الدولي بل ستكون مفرغة من المعنى, ومن هنا فإن اي خطوات تتخذها اسرائيل تجاه لبنان ـ وقد تكون قاسية ـ ستكون مفهومة وستلقى تسامحا دوليا وقتها سيكون جسيما العبء الواقع على الادارة اللبنانية التي لم تتماسك بعد, وذلك على القوات الدولية المفترض وجودها على الحدود اللبنانية الجنوبية وربما يتجاوز الوضع مساحة الجنوب اللبناني ليصبح الشرق الاوسط كله اكثر تعقيدا بما يزيد درجة سخونته اكثر مما هي عليه اليوم. سيظل لحزب الله وللدولة اللبنانية ايضا قضايا مع اسرائىل لم تحسم, منها قضية المعتقلين الذين يعدون بالمئات وما زالت اسرهم تعاني من اجل المطالبة بعودتهم وسيكون حزب الله واقعا تحت ضغط اكبر في هذه القضية لأن هؤلاء المعتقلين هم من المقربين منه او من منتسبيه اما الدولة اللبنانية فإن القضايا الناجمة عن صراعها غير المحسوم مع اثار النكبة الفلسطينية ستظل عالقة لفترة من الزمن ومنها ملف الفلسطينيين في المخيمات الفلسطينية الكبيرة في لبنان, الذي هو معني بمستقبلهم والى اي وضع سيئول بعد التسوية الشاملة ان جاءت كما هو متوقع لها. اما المسكوت عنه الآن والذي من المتوقع ان يظهر على السطح في وقت قريب فهو الوجود السوري في لبنان: خاصة ان قرارات الطائف كانت قد المحت الى ان الوجود السوري في لبنان رهين بوجود الاحتلال الاسرائيلي ولعل من المهم هنا ان نلاحظ ان التكتيك الاسرائىلي في جنوب لبنان يهدف الى احراج الادارة السورية ووضعها في موضع الدفاع السياسي تم هذا اولا بفصل على الارض بين المسارين السوري واللبناني واللذين كان دائما شعار السياسيين في لبنان وسوريا التمسك بتلازمهما هذا الفصل الذي تم على الارض ليس فحسب سيترك سوريا وحدها امام المفاوض الاسرائيلي العنيد وبعيدا عن الورقة اللبنانية التي كانت من اهم اوراق المفاوض السوري ـ ولكنه ايضا يشغلها (بل ربما يربكها) في موضوع وجود الجيش السوري في لبنان وهو ما لا تخطئه عيون المراقبين منذ ان خرجت آخر دبابة اسرائىلية في الاسبوع الماضي من الارض اللبنانية كما انه مدار بحث وسائل الاعلام الغربية الآن. آخر الكتابات التي ظهرت في لبنان حول هذا الموضوع ان خروج سوريا من لبنان متفق عليه, اما التوقيت فسوف يحدد بين الطرفين لكن مبعث القلق ان سلطة توقيت هذا الانسحاب قد تفلت من بين ايدي اللبنانيين والسوريين في المستقبل, بل قد تشارك في الامسكان بخيوط الموقف قوى دولية اخرى خاصة بعد الاتفاق على وجود عدد كبير من المراقبين الدوليين للعمل في الجنوب اللبناني حماية للخطوط الدولية لأن اي اختراقات لهذه الخطوط حتى لو كانت سوريا بعيدة عنها سوف تكون مدعاة للوم الدولة اللبنانية اولا ثم الوجود السوري فيها ثانيا مع احتمال العكس في الترتيب ايضا. خلاصة الامر ان الانتصار الذي فرح به الكثيرون بخروج الاحتلال الاسرائىلي من جنوب لبنان يستحق الاحتفاء به ولكننا نود ألا ينسى اشقاؤنا في غمرة هذا الاحتفاء الكبير ضرورة التسلح بالحذر والحيطة مع وضع التصورات الممكنة لمتابعة التكتيكات الاسرائيلية فنحن نخشى ان تلهينا سكرة الاحتفال فلا نفيق الا على بقايا ذكريات للنصر لم نحسب حساب نتائجها فالنصر الذي تحقق مع انه نصر عظيم هو مجرد نصر في معركة وليس نصرا في حرب لأن الحرب مع اسرائيل تحتاج بجانب السلاح... الى جهد العقول.