إذا كان الرجال يعرفون في لحظات الحق, وإذا كانت معادن الشعوب تظهر حقائقها نيران الأحداث, فإن ما حدث في جنوب لبنان هو الحدث الذي لا شبيه له في تاريخنا المعاصر, والذي صهر التركيبة اللبنانية المعقدة في حالة لم يتوقعها أشد الناس كرها للبنان وعدوانية للعرب: إسرائيل. وفي الحدث اللبناني الذي قلب كل الموازين على الساحة وأبرز أغلب الأوراق, تعرى الجميع أمام الجميع وانكشف الكل أمام الكل, ولم يعد خافيا إلا ذلك القدر من الصفقات التي تدبر من وراء ظهر الشعوب. وفي الحدث اللبناني أيضا عرف اللبنانيون أنفسهم من هو اللبناني الحقيقي, ومن هو اللبناني الشبيه بالعملة المزيفة أو المضروبة التي لا تستحق سوى الرمي في سلة المهملات الاسرائيلية. إن هذا الانتصار اللبناني الذي نتابع تفاصيله المدهشة وأفراحه المجلجلة على شاشات التلفزة اللبنانية و(بعض) العربية! يشكل في نهاية الأمر موقف استعادة الكرامة العربية التي أهدرت طويلا في كل المراحل والمحافل, ولذلك وجد الإنسان العربي في انتصار الجنوب ورحيل آخر الغزاة جرعة الماء التي طال انتظاره لها, هو الظامئ الأبدي في صحراء الهزائم والانتكاسات, هو العربي الذي يجدر به أن يرفع رأسه دائما كما كان يردد عبدالناصر: ارفع رأسك يا أخي العربي. وها هم أهل الجنوب وأبطاله المقاومون يقولون لكل العرب في كل الجغرافيا العربية: ارفعوا رؤوسكم يا اخوتنا العرب. أفلا يستحق هؤلاء الجنوبيون المملوءون بالكرامة وفخر الانتصار أن تكون المواقف العربية الشعبية والرسمية أشد جرأة مما هي عليه, وأشد احتضانا وانتماء مما نتابع ونسمع ونرى؟ إنه ومن بين كل المواقف, يبدو موقف الامارات الرسمي بعيدا عن المزايدات, ويبقى موقف صاحب السمو رئيس الدولة مشهودا في قلب كل حدث, وفي الحدث اللبناني يأبى صاحب المواقف الجميلة إلا أن يكون أول المحتضنين والمباركين والسعداء بهذا الانتصار. ولقد حمل سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم هذا الموقف العربي وطار به إلى لبنان مترئسا وفدا رسميا ذهب حاملا موقف الامارات حكومة وشعبا, في وقت يحتاج فيه اللبنانيون ويحتاج فيه لبنان لهذه الأيدي العربية الحانية المخلصة, ولهذه المواقف التي تشد من أزره وتسعد بمنجزه الوطني وتحتفي بانتصاره, ليقول لبنان مع كل العرب بأن هذا الانتصار هو انتصار عربي تم على أرض عربية بقلوب عربية مؤمنة وبسواعد عربية مخلصة لوطنها, بعيدا عن كل التحريضات والطروحات المزعزعة لعقيدة وحدة الدم والمصير. موقف الامارات ممثلا في زيارة سمو الشيخ محمد بن راشد للبنان موقف مطلوب في وقت حساس وحرج, ووقفة أخوة إلى جانب اخوتهم, وكم نحن بحاجة إلى حكماء في هذا الزمن, وكم نحن بحاجة لأصوات وطروحات ومقولات عاقلة.. إنها زيارة حكيمة من شيخ حكيم نتمنى أن تثمر خيرا يعم لبنان, وان تعقبها مواقف عربية شبيهة. فالنصر عربي والمنجز عربي, فارفع رأسك يا أخي العربي وافخر بما تحقق واستمتع بلذة النصر فهذه لذة لا تتكرر كثيرا.