على خلفية تطورات الاحداث المثيرة في لبنان والضفة الغربية تحدث المرشحان الرئيسيان لخوض سباق الرئاسة الامريكية امام المؤتمر السنوي للجنة الشئون الاسرائيلية الامريكية المعروفة اختصارا باسم (ايباك) . و(ايباك)، وليدة كبرى المنظمات اليهودية الامريكية, وتعد اكبر جماعة ضغط مناصرة لاسرائيل في الولايات المتحدة. وفي السنوات الماضية اصبحت الجالية اليهودية الامريكية منقسمة سياسيا تماما حيال السياسية الامريكية تجاه الشرق الاوسط يرجع ذلك الى حد كبير الى الجدال الذي اثارته عملية السلام في الشرق الاوسط. وبشكل يعكس الانقسامات الحادة ذاتها تشكل الجدال في اسرائيل, اليمين واليسار (اي انصار السلام في مواجهة انصار الليكود) داخل الجالية اليهودية الامريكية. على جانب اليمين اتخذت جماعات من نوعية المنظمة الصهيونية الامريكية ومنظمة الامريكيين من اجل اسرائيل آمنة وبعض الجماعات المتحالفة مع حركات الاستيطان الاسرائيلية موقفا متصلبا ضد السلام. وفي حقيقة الامر ان عددا من هذه الجماعات هدد بمواجهة رئيس الوزاء الاسرائيلي ايهود باراك بتظاهرات تستنكر زيارته المخطط لها الى الولايات المتحدة (وهي الزيارة التي الغيت في اللحظات الاخيرة بسبب القلاقل في الضفة الغربية والحالة الدرامية في جنوب لبنان) وقد غضبت هذه الجماعات من قرار باراك بالتخلي الكامل عن ادارة ابوديس وعازارية والسواحرة للسلطة الوطنية الفلسطينية. وما اصاب بعض المراقبين بالقلق هو ان الخطابة التي استخدمتها بعض هذه الجماعات اليهودية اليمينية الامريكية مشابهة للغة التي كانت قد استخدمتها سابقا ضد رئيس الوزراء السابق اسحق رابين قبل اغتياله عام 1996. وعلى الجانب الآخر المؤيد للسلام اتخذت جماعات من قبيل منظمة الامريكيين للسلام الآن ومنتدى السياسة الاسرائيلية المبادرة في دعم التوصل لسلام شامل مع الفلسطينيين وسوريا ولبنان. وكانت منظمة الامريكيين للسلام الآن شأن نظريتها الاسرائيلية (السلام الآن) تنتقد بشدة سياسة الاستيطان الاسرائيلية ولم تتردد في انتقاد الممارسات الاسرائيلية التي رأت انها تجهض عملية السلام. وتظهر استطلاعات الرأي ان معظم اليهود الامريكيين يساندون مساعي السلام. وبالفعل فإن غالبيتهم تؤيد قيام دولة فلسطينية وهذا الجناح المؤيد للسلام بدأ يحقق صدارة سياسية متزايدة في الولايات المتحدة ومن جانبه شجع الرئيس كلينتون النفوذ المتنامي لهذه المجموعات. وكنتيجة جزئية لهذا التحول في الرأي العام اليهودي وفي تركيبة الجالية اليهودية الامريكية المنظمة ظهر تحول في الطريقة التي تناقش قضايا الشرق الاوسط. ومن العوامل الاخرى التي ساهمت في احداث هذا التحول العلاقة المتطورة بين الولايات المتحدة والعالم العربي والحضور المتزايد للامريكيين العرب في الساحة السياسية الامريكية وبالنظر لكل هذه العوامل مجتمعة اصبحت مناقشة السياسة الامريكية في الشرق الاوسط اكثر اتزانا حاليا عما كانت عليه في السابق. لكن الحال ليست كذلك دوما لسوء الحظ ولم تكن كذلك فعلا خلال مؤتمر (ايباك) الاسبوع الماضي, اذ ان السفه المتوقع من كل من المرشحين الرئاسيين الرئيسيين وتأطيرهما الملفق للقضايا المهمة في السياسة الامريكية في الشرق الاوسط كانا احيانا يشكلان مفارقات تاريخية. كلاهما تحدث عن الاهمية البالغة للعلاقات الامريكية ـ الاسرائىلية. وبالنسبة لهما فإن هذه العلاقات من اكثر العلاقات اهمية وإلزاما من بين علاقات بلادنا العظيمة مع الدول الاخرى. وبالفعل فهي اكثر من مجرد صداقة. امريكا واسرائيل هما اختان في عائلة الديمقراطية. وكأنما لم يكن هذا كافيا فقد تابع بوش القول ان اسرائيل: (تشكل عنصر تذكير مستمرا ومهما للامريكيين بأن الحرية غالية وان اعداء الحرية لا يزالون يشكلون تهديدا) . وحتى لا يبدو آل جور بمظهر من تجاوزه منافسه فقد ذكر مستمعيه من (ايباك) بالتزامه الطويل باسرائيل وقال (حتى لو انقلب العالم رأسا على عقب فستظل الولايات المتحدة واسرائيل تريان القضايا من المنظور ذاته) واضاف جور: (ان علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل تستند الى اساس صلب قوامه قيمنا المشتركة وتراثنا المشترك وتفانينا المشترك في سبيل الحرية) . وتوخيا للسلامة وباستخدام لغة متطابقة, ذكر جور وبوش مستمعيهما بأنه ستكون هناك اوقات قد تختلف فيها الولايات المتحدة على اسرائيل وهي الحالة التي تعاملت معها كل الادارات الامريكية وبعضهما كان اكثر فاعلية من غيرها, وقطع الاثنان شوطا بعيدا في التأكيد على معارضتهما لاستخدام اي نوع من الضغط ضد اسرائيل. ومن جانبه حسب بوش انتقاده على معالجة الرئيس كلينتون لعملية السلام. وعلى نحو خاص ادان بوش استخدام الرئيس الامريكي للضغط على اسرائيل في سبيل السلام وتحيزه في الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة اي دوره في هزيمة بنيامين نتانياهو. وقال بوش: (ان الولايات المتحدة فخورة وتكن التقدير للتضحيات التي تقدمها اسرائيل, وهي تضحيات قلة من الدول هي التي يمكن ان تقدمها وفي الفترة الاخيرة حاولت واشنطن جعل اسرائيل توافق على خططها وبرامجها الخاصة. لكن هذا ليس طريق السلام, ومن الامثلة الواضحة والسيئة محاولة الادارة دعم طرف دون آخر في الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة ان على امريكا الا تتدخل في العملية الديمقراطية الاسرائيلية وهي لن تتدخل في الانتخابات الاسرائيلية اذا ما اصبحت الرئيس) . طبعا كان جور جزءا من هذه الادارة, وساند مساعيها لكنه حاول الدفاع عن سجله بالاشارة الى انه والرئيس كلينتون (أرسينا قاعدة جديدة ثابتة وقد اتبعنا هذه القاعدة بإخلاص ومفادها اننا يجب الا نضغط على اسرائيل بأي حال من الاحوال للموافقة على خطوة لا ترى انها في صالحها) . وتابع جور ليذكر مستمعيه كيف انه عارض مساعي ادارة ريجان عام 1998 وادارة بوش عام 1991 لدى محاولتهما للضغط على اسرائيل لتقديم تنازلات من اجل السلام. كما تحدث بوش وجور بمزيد من الرفض عن احداث العنف الاخيرة التي ثارت في الضفة الغربية ولبنان. وكلاهما القى باللوم فيها على الجانب العربي, وكلاهما القى باللوم على الشرطة الفلسطينية فيما يتعلق باطلاق النار في الضفة الغربية, لكن جور, على نحو مفاجىء كال اللوم لسوريا واعتبرها مسئولية عن الحالة في لبنان. وقال جور (ما دامت اسرائيل قد وافقت على الانسحاب من لبنان تنفيذا للقرار رقم 425 فإن بمقدور الرئيس السوري حافظ الاسد ان يقرر فعل ذلك من دون حوادث كدفعة اولية من ثمن السلام المستقبلي, او ان يستمر بالسماح لحزب الله بمضايقة اسرائيل فيما هي تسحب قواتها... ويستطيع ان يرسل اشارة بأنه غير مهتم بإحراز تقدم ان سوريا قد لا تختار السلام حاليا... ان لم يتم السلام في هذه الفترة, فإن الرئيس الاسد سيتحمل مسئولية ثقيلة) . وكلف بوش نفسه الكثير من العناء ليؤكد على تضحيات اسرائيل وحساسيتها مشيرا الى ان (اسرائيل قبل حرب الايام الستة كانت بعرض 9 اميال فقط) ثم تابع ليصف اهمية تزويد اسرائيل بنظام للدفاع ضد الصواريخ, وهي الفكرة التي اكد عليها جور في كلمته ايضا. والقضية الاخيرة التي اتفق عليها المرشحان هي المحاكمة الحالية لثلاثة عشرة يهوديا ايرانيا بتهمة التجسس لاسرائيل والخلاف الوحيد بينهما بخصوص هذه القضية هو ان بوش رأى ان (العداء للسامية) هو سبب المحاكمة فيما اعتبره جور نتيجة للصراع بين القوى المعتدلة والمتشددة في طهران. ايضا هناك خلافان جوهريان بين الاثنين اذ كرر بوش تعهده بأنه (حالما اصبح الرئيس واتسلم مهام منصبي فسأبدأ بعملية نقل السفير الامريكي الى المدينة التي اختارتها اسرائيل عاصمة لها) . اما جور فلم يشر الى قضية السفارة, لكن المتحدث باسمه انتقد تعهد بوش ووصفه بأنه: (طائش) و(لا مسئول) واعاد طرح وجهة نظر جور القائلة بأن هذه القضية يجب بحثها في المفاوضات الفلسطينية الاسرائىلية. اخيرا, اختتم جور كلمته بمجموعة من الملاحظات المثيرة حول مستقبل السلام وحاجة الولايات المتحدة لتحسين تفاهمها وعلاقاتها مع العالم الاسلامي الواسع. وبشكل او بآخر كان هذا الجزء هو الاكثر اثارة في الحديث بأكمله وفي ذلك فقد تجاوز الشراكة والعلاقة السياسية وقد بدأ رؤيته هذه كالآتي: (ما اريد الآن منا جميعا هو ان نرفع لوهلة اعيننا عن مد الاحداث وجزرها اليوم مهما كانت قوية, خصوصا اليوم فعلى الرغم من كل المشكلات العميقة في الوقت الراهن وكل التحديات الحقيقية امام الامل بالسلام دعونا ننظر الى شرق اوسط كما يمكن ان يكون عليه بعد 10 اعوام او 20 عاما من الآن شرق اوسط يعيش حالة سلام مع نفسه ويستغل على اكمل وجه كل الامكانيات والمواهب المتوافرة لدى شعوبه. ودعونا نركز على الخطوات التي يمكننا اتخاذها لنحول تلك الرؤية الى واقع انها ممكنة. وحتى في الاوقات العصيبة يجب الا نفقد الامل اعتقد ان هناك تقدما واعتقد انه مع الوقت سيكون هناك المزيد. انا اؤمن بأننا سننجح) . ومن تلك النقطة انطلق جور ليناقش التكامل الاقتصادي والتعاون الاقليمي للاستفادة القصوى من موارد محدودة والحاجة لتطوير منهج مبرمج لمكافحة الفقر والامية والامراض وبالنظر الى حاجة المنطقة للقيادة الامريكية القادرة على احلال السلام ولرجال الدولة الضرويين لتحقيقه وبغيرها من الملاحظات السياسية اختتم نائب الرئيس الامريكي كلمته وكانت تلك الملاحظات بالفعل النقاط المضيئة الوحيدة فيما كان استعراضا مخيفا من المرشحين كليهما.