حتى الان لم يكن للولايات المتحدة دور يذكر في اللعبة السياسية اللبنانية. لكن الان وبعد تغير المشهد بالانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني نشأ فراغ يبدو أن واشنطن تعتزم ان تملأه بنفسها بغطاء دولي. لذا فان الدور المرتقب لقوات الامم المتحدة في لبنان مقصود منه أن تكون حصانا طرواديا لامريكا. والسؤال: ماذا تريد امريكا؟ في القريب المرئي سوف تتردد كثيرا عبارة (نزع سلاح حزب الله) على ألسنة كبار مسئولي الامم المتحدة ابتداء من كوفي عنان. وسوف تكون هذه العبارة المفتاحية مصحوبة بعبارات مساندة من قبيل (الشرعية الدولية) . ومثلما تستغل واشنطن نفوذها كقوة عظمى في مجلس الامن الدولي لتنفيذ نواياها الشريرة تجاه العراق باسم الشرعية الدولية فان على رأس أجندتها الان تدمير (حزب الله) او على الأقل تدجينه كقوة قتالية فاعلة بواسطة (قوات حفظ السلام الدولية) . فالى أي مدى تنجح او تفشل الولايات المتحدة؟ رسميا وظاهريا ينحصر الدور الجديد لقوات الامم المتحدة في الجنوب اللبناني في, أولا, التأكد من ان الانسحاب الاسرائيلي قد اكتمل, وثانيا المحافظة على السلام.. بمعنى منع حدوث اشتباكات عسكرية جديدة وفض مثل هذه الاشتباكات اذا وقعت فعلا. وبالطبع فان المفترض ان تراعي القوات الدولية تنفيذ مهامها بأعلى درجة من الحيادية. لكن مدى حيادية القوات الدولية مرتهن الى موقف قادتها.. وموقف قادتها مرتهن الى موقف مجلس الامن الدولي.. وموقف مجلس الامن بدوره مرتهن الى موقف الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. وهنا نلاحظ ان رؤية كل من بريطانيا وفرنسا تجاه لبنان من حيث النظرة العدائية الى المقاومة اللبنانية والتحيز لصالح اسرائيل متطابقتان تماما مع الرؤية الامريكية. ليس اذن من الصعب تصور مسلك قوات الامم المتحدة المستقبلي في الجنوب اللبناني. سوف تصر واشنطن وحلفاؤها الغربيون على نزع سلاح (حزب الله) مستشهدين بأن الميليشيا العميلة لاسرائيل ألقت سلاحها وانفرط عقدها. واذا رفض قادة (حزب الله) الاستجابة للداعي (الدولي) فان قواته سوف تستدرج الى صدام مسلح مع قوات الامم المتحدة بهدف القضاء عليه كقوة قتالية. لكن مثل هذا الصدام الخطير قد يؤدي الى اشعال المنطقة العربية بأكملها, وبالتالي نسف ما تبقى من عناصر الحياة في (عملية سلام الشرق الاوسط) . فالصدام ـ اذا وقع فعلا ـ سوف يأتي في مناخ عربي جديد يزحم فيه انتصار (حزب الله) التاريخي على اسرائيل الافق العربي العريض. في هذا المناخ سوف تلتهب المشاعر الشعبية العربية ابتداء من الضفة وغزة.. وسوف تصعد أسهم المنظمات الاسلامية في مختلف انحاء الوطن العربي.. وعلى خط مواز سوف تضمر صورة الانظمة الحاكمة المتبنية للسلام مع اسرائيل. ان مقدمات الصدام بدأت تظهر بالفعل. فحكومات لبنان وسوريا وايران اعلنت انها ترفض نزع سلاح (حزب الله) . يقابل ذلك اعلانات متكررة من كبار مسئولي الامم المتحدة بأن جلاء القوات الاسرائيلية عن مجموعة قرى (شبعا) وإطلاق سراح المناضلين اللبنانيين المعتقلين في السجون الاسرائيلية لا علاقة لهما بمسألة التأكد من اكتمال الانسحاب الاسرائيلي من الارض اللبنانية. وهكذا, وبعد المسلسل العراقي الذي لم ينته يبدو أننا موعودون بمسلسل جديد بالاسم نفسه.. (الشرعية الدولية) .