بين الحين والآخر يحلو لبعض الجهات البحثية والعلمية القيام باختبارات لقياس المستوى الثقافي العام لشبابنا العربي, عن طريق قائمة من الاسئلة تتعلق بشخصيات أو احداث تاريخية أو سياسية تفترض هذه الجهات ضرورة المام الشباب بها خاصة اذا كانوا قد اجتازوا مراحل دراسية عالية تصل حتى الجامعة وما بعدها. وقد قامت جامعة خليجية في العام الماضي باختبار من هذا النوع, كما قامت به هيئة الاذاعة المصرية وبعض الصحف للمتقدمين لشغل وظائف معينة, وغالبا ما كانت النتائج مخيبة لآمال واضعي ومشرفي هذه الاختبارات. واذكر ـ على سبيل المثال ـ تلك الاجابات العجيبة التي ادلى بها هؤلاء الشباب الذين اكدوا ان الاميرة (ديانا) زوجة احد قادة الحملات الصليبية, وان (كوفي عنان) هو حارس مرمى المنتخب الكاميروني, و(محمود درويش) ملاكم عربي, والشيخ (أحمد ياسين) شقيق الممثل الراحل اسماعيل ياسين, و(ادونيس) مطرب اجنبي و...الخ!! وعادة ما تذكر هذه النتائج للتدليل على ضحالة المستوى الثقافي لهؤلاء الشباب وعلى حالة الانسحاب والتغيب السياسي, نتيجة استحواذ قيم ترفيه استهلاكية على عقولهم, وتستمر التهم تكال لهؤلاء الشباب بسبب اختبار ثقافي قد لا يقيس في النهاية سوى تلك الكميات من الكتب التي امكن لشخص ان يقرأها ولم يتمكن آخر من ممارسة الفعل ذاته. لا احاول ان اقلل من شأن الثقافة العامة واهميتها للشباب العربي, ومن اهمية القراءة في مقابل الدفاع عن الشباب, لكنني اريد فقط الا نحصر وعي الشباب العربي وحضوره السياسي وحسه القومي في معرفته بوظيفة هيلموت كول أو كوفي عنان أو الاميرة ديانا, فلا اظن ان شبابا امريكيين أو ألمانيين مثلا لديهم 5% من ثقافة وحضور الشباب العربي من الناحية السياسية, ومع ذلك لا يجلد الشباب الغربي صباح مساء كما نجلد نحن شبابنا لأنهم لم يعرفوا من هو كوفي عنان؟ مع تسليمي المطلق بأن هذه معارف لابد من الاحاطة بها ولو لمجرد العلم بالشيء, ومع تسليمي بأن تغييب الوعي احيانا نعمة ورحمة في ظل واقع كواقعنا. وكلنا نعلم انه اذا كان العالم الغربي, أو اي عالم آخر خارج نطاق الوطن العربي يهتم بالسياسة ويتابعها, فنحن هنا نقتاتها صباح مساء ونحتسيها مع فنجان قهوة الصباح كما لا يفعل أي شعب آخر, فالسياسة قدرنا والوعي لغتنا التي لا نستطيع الهروب منها ابدا. ثم ان الضحالة وضعف المستوى الثقافي مسئولية تشاركية لا يجب ان تلقى على عاتق الشباب وحدهم, لقد كانت المدرسة تلقننا الكثير, المعلمون كانوا يفعلون ذلك والتلفزيون يشاركهم المهمة وكذلك الاذاعة والمنزل, والرفاق احيانا, اليوم انسحب الجميع, وترك الشباب وحده يعاني ويلف حول نفسه بمقدار 360 درجة كل ساعة ليعرف ماذا يأخذ وماذا يترك؟ ومن معه ومن ضده؟ وإلى أين يجب ان يتجه؟ فيما بوصلة الاعلام غائبة وبوصلة التربية معطلة وبوصلة الاسرة لا ندري أين؟ * في أحد برامج الاطفال في احدى قنواتنا الفضائية يصر المذيع على تلقين الاطفال احدى الاغاني السمجة وبشكل مريب!! وغدا سنحاسبهم لماذا يغنونها!