لا تكف الحكومة الاسرائيلية, ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية عن وضع الضوابط التي تحكم مسبقا قراراتها السياسية, وتتحكم فيها. خاصة تلك القرارات التي تتعلق بمفاوضات التسوية, او السلام كما يسمونها. وهذه السياسة ليست نهجا يخص حكومة بعينها, او حزبا معينا بل هي نهج عام تلتزم به كل الحكومات الاسرائىلية, سواء انتمت الى احزاب اليسار او اليمين او الوسط. لا ادقق كثيرا في اي من الاسباب يدفع, اكثر من غيره, المؤسسات الاسرائىلية لاتخاذ مثل هذه التحوطات, والشروط الصارمة التي تقيد حركة اية حكومة, وتلزمها بالعودة للمؤسسة, او للناخب الاسرائيلي نفسه قبل التوقيع على اي اتفاق والالتزام به. فسواء كان التعنت الاسرائيلي المعتاد هو السبب الرئيس, او غطرسة القوة التي تملكها وتتملكها؟ او (احترامها) لشعبها وارادته؟ او (الديمقراطية) التي تدعيها وتتباهى بها؟ او هي كل ذلك في آن واحد, فالنتيجة واحدة من حيث ضبط الموقف الاسرائيلي وانضباطه, ومن حيث اثره على الجانب العربي المقابل بمختلف اطرافه, الذي يجد نفسه مضطرا للتراجع, لأنه يتصرف بالقضايا الوطنية المصيرية دون رقيب او حسيب. قبل ايام, اقر الكنيست في قراءة تمهيدية الزام الحكومة بضرورة الحصول على موافقة ثلثي اعضاء الكنيست على اي اتفاق يتم التوصل اليه حول عودة اللاجئين الفلسطينيين قبل توقيعه. صحيح انها قراءة تمهيدية ويحتاج القرار الى المصادقة عليه في ثلاث قراءات اخرى حتى يصبح نافذا. ولكنه رسالة واضحة ومبكرة للحكومة الاسرائيلية وضعت لها سقفا عاليا لا يمكن بلوغه, ورهنت قرارها بالحاجة الى اصوات غلاة اليمين وحدت بالتالي من حرية حركتها, ورسمت لها حدود التصرف. بل ربما كان في رسالة الكنيست هذه اشارة تحذيرية للإدارة الامريكية فيما لو فكرت في الاقتراب من هذه القضية. وبذلك لم يكتف اعضاء الكنيست بلاءات باراك الشهيرة, ولم تمنعهم كل التصريحات المتشددة التي ترد على لسان المسئولين الاسرائيليين من طرح مشروع قرارهم الاعتراضي او الاستباقي, حتى لا يفكر احد في الفريق الاسرائيلي المفاوض بإبداء اي قدر من الليونة او المرونة. وفي حين يتمسك اعضاء الكنيست بباطلهم لدرجة تكاد تجعل منه حقا, ويتهاون اصحاب الحق فيه لدرجة قد تصمه بالباطل في عيون من لا يعرفون الحقيقة, او من يودون انكارها. فعلى الطرف الفلسطيني المقابل, حيث يمثل مجلسنا الوطني العتيد, المؤسسة التمثيلية المؤتمنة على قضية اللاجئين وحقهم في العودة الذي كان السبب الرئيس في قيام هذه المؤسسة, وما زال هو المبرر الوحيد لبقائها يخفت صوت هذه المؤسسة وكأن ما يجري لا يعرضها للخطر, او لا يهدد وجودها, وشرعية تمثيلها للشعب الفلسطيني, واللاجئين بالخصوص في الصميم. لا اطالب هنا ببيان يشجب او يستنكر او حتى يدين اجراءات الكنيست, كما تفعل بيانات الجامعة العربية ازاء التهديدات التي تعرض المصير العربي كله للخطر. ولكني اتساءل عن اجراء مضاد, يوحي بالثقة في مؤسستنا الوطنية, ويجعلنا نطمئن الى ثبات موقفها في الدفاع عن الحقوق الوطنية الثابتة لشعبنا وفي مقدمتها حق العودة للاجئين, الذي لا يعادله , ولا ينوب عنه اي حق. ان توجهات الكنيست المتشددة, تتطلب اجراء اكثر تشددا من مجلسنا العتيد, ليس اقل من قرار يحرم المساس بقضية اللاجئين الفلسطينيين, او التنازل عن حقهم الكامل في العودة الى ارضهم وممتلكاتهم التي طردوا منها عام 1948, والتعويض عن الاضرار والخسائر المادية والمعنوية التي لحقت بهم خلال رحلة الشتات والعذاب التي زادت على نصف قرن. ويحظر على المفاوض الفلسطيني التوقيع على اي اتفاق لا يتضمن النص على هذه الحقوق. ان مثل هذاالقرار وحده يشكل رادعا لكل الاطراف التي قد تفكر بالتطاول على حقوق اللاجئين, او التنازل عنها بالتوطين, او التهجير, او التحوير في مفهوم العودة والارض المقصودة بها. سواء انتمت هذه الاطراف الى المعسكر الداخلي او الخارجي, او انتمت الى معسكر الاشقاء او الاصدقاء او الاعداء. ولا يجوز ان يقف التعلل بعدم امكانية جمع المجلس الوطني لاتخاذ مثل هذا القرار, ذريعة او عقبة في طريق صدوره. فيمكن اتخاذه بالتمرير على اعضاء المجلس للتوقيع عليه, كما يمكن عقد مؤتمرات شعبية في كل المناطق, داخل الوطن وفي الشتات للمصادقة عليه. بل يمكن جمع ملايين التوقيعات من الشعب الفلسطيني بأسره لتعزيز هذا القرار. ولن تعدم رئاسة المجلس الوطني وسائلها لخلق الآلية التي تضع هذه الخطوات موضع التنفيذ, وذلك اذا ما آمنت بدورها وواجباتها, واستنفرت جهودها وامكانياتها, وجعلت من امانة المسئولية الملقاة على عاتقها المحرك الوحيد لخطواتها وتوجهاتها. وفي هذا السياق, بل وقبله هناك خطوات يجب ان ترافق هذا التحرك, او تسبقه, فرئاسة المجلس لابد انها لاحظت تراجعا ملموسا في الخطاب السياسي الخاص بقضية اللاجئين, اذ لم يعد هذاالخطاب ملتزما بالحديث عن حق العودة للاجئين والتمسك به وانما بات يميل الى استخدام تعبير حل قضية اللاجئين, واحيانا يضيف لها كلمة عادل من باب التجميل او التمويه, ولطمس الفروقات الهائلة بين الحق والحل. كما ان رئاسة المجلس لا شك لاحظت مؤشرات, تصدر بين الحين والآخر, تؤشر على تحوير او تحريف في مفهوم حق العودة, بحيث تعطيه معنى العودة الى مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية, او الدولة مستقبلا, وليس الى اراضيهم وممتلكاتهم الحقيقية. هذا فضلا عما تتبرع به بعض الاصوات النشاز في الصف الفلسطيني من تصريحات علنية للصحافة, او الاذاعة الاسرائيلية بالذات, تنفي مطالبتنا بالعودة الى اراضينا الى طردنا منها عام 1948. ان خطورة مثل هذه المواقف والتصريحات, والمفاهيم الجديدة لحقوق اللاجئين وعودتهم, تكمن في انها تصبح سلاحا بيد الجانب الاسرائيلي, وقاعدة يبني عليها, حيث توحي له بأن مثل هذه المفاهيم تدور في الذهن الفلسطيني, ويمكن الرهان عليها وخاصة حين يلاحظ انها تمر دون حساب او عقاب عليها, او حتى مساءلة عنها. ان اصحاب هذه المواقف والمفاهيم يتمتعون جميعا بعضوية المجلس الوطني او المجلس المركزي. واظن ان قوانين المجلس ونظامه الاساسي تحرم على اعضائه الخروج عن مبادئه واهدافه وتنص على معاقبتهم. وان اجراء صارما من قبل رئاسة المجلس تجاه هذه الخروقات لمبادئنا واهدافنا الوطنية وتجاه العابثين بها, لا يوقف فقط مثل هذا العبث بالمصير الوطني, ويردع اصحابه وانما يعزز مكانة المؤسسة الوطنية الأم (المجلس الوطني), ويحفظ لها احترامها ومكانتها, ويعزز الثقة الشعبية بها, كمؤتمنة على الاهداف والحقوق الوطنية الثابتة كما يبعث بالرسالة المناسبة لاصحاب المشاريع في الكنيست الاسرائيلي. أترانا نطلب الكثير من مجلسنا الوطني, ورئاسته الموقرة!