ثم ماذا بعد الانسحاب: هل تعتبر المقاومة اللبنانية, ومن ورائها السلطة اللبنانية, أنها حققت هدفها الاعظم فيتحول (حزب الله) بذلك من النضال القتالي الى العمل السياسي داخل الحلبة السياسية اللبنانية أم يواصل القتال ضد اسرائيل باسم أجندة أخرى غير تحرير الجنوب اللبناني؟ هنا نصطدم بحائط من الغموض. نظريا, تتجاوز الثوابت التي يتبناها (حزب الله) كتنظيم اسلامي مسألة تحرير الجنوب اللبناني الى تعهد شامل بتحرير كل الاراضي العربية الواقعة تحت السيطرة الاسرائيلية بما في ذلك الارض المقام عليها الدولة الاسرائيلية نفسها منذ عام 1948. من منظور عقائدي اسلامي مبني على الرؤية القرآنية لليهود كعدو راسخ للاسلام والمسلمين الى يوم الدين. تقوم ثوابت (حزب الله) على أساس ان الصراع العربي الاسرائيلي صراع وجود لا مجرد نزاع وقتي مرحلي حول (الاحتلال الاسرائيلي) . لكن على الصعيد العملي يلاحظ ان قادة (حزب الله) ظلوا يتحاشون على الدوام الاجابة على اي استفسار بشأن أجندتهم لما بعد الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب اللبناني. كانوا ولا يزالون يكتفون بترديد تلك العبارة التقليدية ذات الغموض المكثف: (لكل حادث حديث) . الآن وقد تحقق الانسحاب الاسرائيلي بالفعل, فانه لم يعد من الممكن لقادة المقاومة اللبنانية التهرب من الاجابة. فالانسحاب يعني انطواء مرحلة وبزوغ مرحلة ذات ملامح جديدة. أولى ملامح هذه المرحلة الجديدة هي انه باكتمال الانسحاب لم يعد (حزب الله) يملك في نظر العالم والقانون الدولي مبررا مشروعا لتنفيذ عمليات هجومية عسكرية ضد اسرائيل. قبل الانسحاب كانت قوات (حزب الله) تمارس القتال من داخل ارض الوطن اللبناني ضد قوة أجنبية احتلالية. الآن وقد قامت هذه القوة الاجنبية بتصفية وجودها الاحتلالي فإن اي هجوم لبناني عليها سوف يعتبر في نظر العالم تجاوزا واعتداء. لكن ثمة اشياء مثيرة وردت وترد في خطب وتصريحات (حزب الله) في اعقاب الانسحاب الاسرائيلي بما يعكس أنهم لا يزالون يملكون (ذريعة) لمواصلة القتال ضد الاسرائيليين, فهم يشددون على أنه ببقاء قوة اسرائيلية داخل مجموعة قرى باسم (شبعا) على المنطقة الحدودية بين لبنان واسرائيل وسوريا فان الانسحاب الاسرائيلي لا يعتبر مكتملا. وبينما تقول اسرائيل ان (شبعا) ارض سورية فان قادة (حزب الله) ومعهم قادة السلطة اللبنانية يصرون على أنها ارض لبنانية. ولا تنتهي الذرائع عند مسألة (شبعا) . فحزب الله لا يفتأ يذكر العالم بأمر اللبنانيين المعتقلين في سجون داخل اسرائيل وبينهم شخصيات نضالية قيادية مثل عبدالكريم عبيد والحاج مصطفى الديراني. ويبدو ان السلطات الاسرائيلية تحتفظ بهم كورقة سياسية لاستثمارها في اي تفاوض مستقبلي مع لبنان أو سوريا. لكن قادة (حزب الله) سوف يصرون على أن بقاءهم رهن الاعتقال يعطي مبررا مشروعا لمواصلة القتال ضد اسرائيل. ومع ذلك تبقى أسئلة: كيف تتصرف قوات الامم المتحدة التي سوف يتعاظم عددها وعتادها في ارض الجنوب اللبناني قريبا لحفظ السلام في حالة قيام قوات (حزب الله) بعمليات هجومية ضد اسرائيل عبر خط الحدود الدولي؟ وما هو موقف سوريا وايران.. الدولتين اللتين توفرا الدعم لحزب الله؟ وكيف يكون موقف الحكومة اللبنانية نفسها؟ وبالطبع كيف تتصرف اسرائيل؟.