لو كان (مكرم عبيد باشا) لا يزال حيا لوجد في اوراق المعركة التي دارت حول نشر رواية (وليمة لأعشاب البحر) كثيرا من الشواهد التي تؤكد الاستخلاص الذي انتهى اليه قبل اكثر من سبعين سنة, حين قال (ليس للسياسة ضمير في اي بلد من بلاد الله, اما في مصر فليس للسياسة عقل ايضا) . وكل معالجة للقضية تنزه الذين اثاروها ـ بالطريقة التي اثاروها بها ـ عن تهمة استغلال الدين لدوافع سياسية, هي معالجة (سياسية) تسعى لكي تخفف من مسئوليتهم عن اشعال شرارات الفتنة التي طالتهم في نهاية المطاف! والدلائل على ذلك كثيرة لا تحتاج الى التفتيش في نواياهم ولكن فقط الى قراءة منصفة ومحايدة و(اسلامية) لخطاب التهييج والاثارة والمانشيتات الزاعقة التي تدعو الناس للغضب لدين الله والمؤتمرات التي شحن لها الانصار ـ والانفار ـ في اتوبيسات جاءت بهم من الاقاليم والخطب الملتهبة التي كاد يطق لاصحابها عرق وهم يصرخون مهددين بأن تسيل دمائوها قبل مياهها ويدعون للقتال والاستشهاد دفعا عن دين الله وحملات جمع التوقيعات وغيرها من اساليب الشحن العلنية وغير العلنية لتصب كلها في هدف محدد وواضح اعلنه مخططو الحملة منذ اولى شراراتها وكرروا كتابته واذاعته امام كل كاميرات الدنيا قبل وبعد تشكيل لجنة النقاد التي طلب اليها ابداء الرأي في الرواية وقبل وبعد احالة المسئولين عن نشرها الى النيابة العامة, وكان هذا الهدف سياسيا وليس دينيا, وهو اقالة وزير الثقافة, بل واقالة الحكومة كلها! ولأن الحملة كانت منذ البداية الى النهاية تستهدف تسخير الدين لأهداف سياسية, فقد كان منطقيا ان تفتقد ابسط شروط العقل وان تخلو من الضمير بل ومن الاسلام كذلك فكل الذين خطبوا وكل الذين وقعوا او بصموا لم يقرأوا الرواية ولم يثبتوا من صحة الاتهامات الموجهة اليها وبينهم من لم يقرأ رواية واحدة في حياته ومن لا يقرأ في الصحف سوى باب (بختك اليوم) ومع ذلك فقد ألغوا عقولهم وجعلوها مطية لاصحاب الاهواء السياسية, خطوا ذلك باسم الاسلام الذي يحذر المؤمنين به من ان يصيبوا قوما بجهالة فيصبحوا على ما فعلوا نادمين! ولو كان الدين هو الهدف لا السياسة, لما اثيرت كل هذه الضجة ولما تجاوزت حدودها ولاتبع الذين اثاروها السبيل البسيط والواضح, الذي يرسمه القانون, والذي اتبع قبل ذلك كثيرا, فقبل اسبوعين فقط من بدء الحملة تلقت مباحث امن الدولة بلاغا من مواطن غيور فعلا على دين الله, وليست له اغراض سياسية, يريد ان يزينها بأردية دينية يخطرها فيه باسم كتاب يتم تداوله في الاسواق ويتضمن طعنا في الدين الاسلامي, وهو ما يعتبر مخالفة للمادة 98 من قانون العقوبات التي تنص على معاقبة كل من (روج او حبذ بالقول او بالكتابة او بأية وسيلة اخرى لتحقير او ازدراء احد الاديان السماوية) بالحبس مدة لا تقل عن ستة اشهر ولا تجاوز خمس سنوات. فأحالته الى النيابة العامة التي اذنت للشرطة بالقبض على المؤلف وتفتيش منزله ومصادرة الكتاب وامرت بحبسه على ذمة المحاكمة! ولم تكن تلك اول مرة في هذا العهد او ما سبقه من عهود ولن تكون الاخيرة التي يشتبه فيها مواطن او كاتب او هيئة في ان هناك مساسا بأحد الاديان في كتاب او مطبوع فيبلغ السلطة المختصة لكي تتحقق من الامر وهو مالا يمكن الجزم به الا عن طريق القضاء بدرجاته المختلفة ليتمكن مؤلف الكتاب وناشره من الدفاع عن نفسيها ومن الاستعانة بشهادة الخبراء والمتخصصين والقضاء في النهاية ـ صاحب السلطة الوحيدة في تقدير مدى ما في الكتاب من تحقير او ازدراء بالأديان وله ان يفرج عن او يعاقب المؤلف والناشر بالسجن طبقا لملابسات الدعوى, ولما يسمعه من مرافعات النيابة والدفاع ولما تسفر عنه دراسة هيئة المحكمة للنص المتهم ولأن السياسة لا ضمير لها خاصة حين تريد ان تسخر الدين لاهدافها فقد ركن الذين اثاروا الحملة, القانون على الرف منذ اول لحظة وبدلا من ان يطلبوا من النائب العام التحقيق في الامر طلبوا من الشعب الخروج الى الشارع.. ومع ان محاميا من المتعاطفين معهم استند الى بلاغ التهييج رقم واحد, ليقدم بلاغا للنيابة العامة ضد الرواية الا ان الحملة لم تتوقف لان الاحتكام للقانون كان يمكن ان يحصر الامر في نطاقه الطبيعي والمحدود, مما يضيع عليهم الارباح السياسية التي كانوا يتوقعونها من الحملة. لذلك اصروا على ان يظل القانون خارج الخدمة طوال الوقت لكي يصبحوا هم القانون فيتهموا ويحققوا ويقضوا وينفذوا العقوبة من دون حتى ان يقرأوا. وليس التيار الذي يتوهم ان الغضب الحقيقي او المفتعل لدين الله يعطي الانسان الحق في ان يتصرف خارج نطاق القانون جديدا على الساحة السياسية والفكرية اما الذي يدعو للذهول فهو ان تجد هذه الدعوة صدى لدى كتاب كان بعضهم يجلس يوما في مجلس القضاء او يعمل بالمحاماة ممن يفترض فيهم العلم بالقانون وان يلتقوا في ذلك مع فريق من صغار الصحفيين الذين يظنون ان الكتابة لا تتطلب قراءة ولا علما بالموضوع فيأتي بنتيجة وان يجد هؤلاء واولئك صحفا تزعم انهاتنطق بلسان احزاب ديمقراطية وليبرالية تنشر لهم ما كتبوه ظنا منها ومنهم انهم بذلك يحرجون الحكومة باعتبارها خصما سياسيا من دون ان يتنبهوا او تتنبه تلك الصحف والاحزاب الى خطورة استخدام هذا المنهج الذي قد يشجع الحكومة على ان تتعامل مع خصومها خارج نطاق القانون وانذاك فسوف يكونون بالقطع من الخاسرين!.. لأن الحكومة كما هو معروف (ايديها طايلة) . في تبرير تسييسهم للقضية يقول الذين اثاروا الحملة والذين ظاهروهم ان الرواية صدرت عن احدى هيئات وزارة الثقافة, وبالتالي فإن الحكومة مسئولة سياسيا عن نشرها وينبغي مساءلتها عن ذلك وبصرف النظر عن انه لم يثبت حتى الآن ـ بحكم قضائي بات ـ ان الرواية تتضمن بالفعل مساسا بالاديان ـ فهو تبرير يؤكد من جديد, اصرارهم على معالجة الامر كله خارج نطاق القانون فالدستور يحظر فرض الرقابة المسبقة على الكتب والصحف والمطبوعات الا في حالة الطوارىء ومع ان الحكومة اكرمها الله تنازلت عن سلطتها في فرض هذه الرقابة استثناء من حالة الطوارىء المعلنة بالفعل الا ان معارضي اخر الزمان في الاحزاب الليبرالية والديمقراطية يصرون على اجبارها على فرض الرقابة على الكتب وعلى منحها سلطة مصادرتها ادرايا لان تلك هي ديمقراطيتهم ولأن ذلك هو مدى فهمهم لليبرالية. ومع ان سيادة القانون ذات نفسه شخصيا يقصر المسئولية في حالة نشر ما يخالف احد نصوصه على الكاتب وحده بعد ان الغت المحكمة الدستورية ـ بحكم منها ـ المسئولية الافتراضية لرئيس التحرير عما ينشر في صحيفته والمسئولية الافتراضية لرئيس الحزب عما ينشر في صحيفة حزبه, الا ان فلاسفة الليبرالية الغبرا الذين يصرون على وضع فأس المسئولية عما تنشره هيئات وزارة الثقافة في عنق الوزير وهو ما قد يضطره ـ تجنبا لوجع الدماغ ـ لتعيين فريق من موظفي الدرجة الثامنة المرشحين للحصول على الدرجة التاسعة لقراءة اكثر من عشرة كتب تصدرها يوميا هذه الهيئات فيشطبون على كل صفحاتها حتى يحصلوا على العلاوة مع الانصاف وهي خطوة اولى قد تشجع الحكومة على فرض الرقابة على الصحف الحزبية فينطبق عليها المثل القائل: (دبور زن على خراب عشه) ! الجانب الاخر من مبررات تسييس الحملة يقول ان هيئات وزارة الثقافة (دأبت) على نشر كتب تسيء للاسلام مما يؤكد انها سياسة مرسومة لابد من مؤاخذة الوزير والحكومة عليها وهو كلام مرسل يردده مسلمون تقضي ابسط تعاليم دينهم الا يكذبوا والا يتهموا قبل ان يتبينوا ويكررون قوله في الحاح سمج حتى صدقه الناس من دون ان يقدم احدهم دليلا على هذا (الدأب) ومن دون ان يملك احد جسارة المقارنة بين مجمل اعداد الكتب التي تنشرها هيئات الوزارة عن الاسلام وبين تلك التي يثيرون الشبهات حولها من دون ان تثبت التهمة حتى الآن لا في حق الكاتب, ولا في حق الناشر, بل وبقوله ـ كذلك ـ ناشرون يربحون الملايين من التجارة في نشر الكتب الاسلامية ويتعاملون مع ما تنشره الدولة بمنطق المنافسة وقطع الرزق! ولولا ذلك الجهل النشط الذي دفع كثيرين الى الخوض في مسائل تتعلق بالادب من دون ان يقرأوا كتابا واحدا في الادب والذي دفع آخرين الى التطرق لأمور ينظمها القانون من دون ان يسترجعوا الذين يعرفونه نصوصه او يرعوي الذين لا يعرفون شيئا عنه عن الفتوى فيما لا يعرفون فيه لولا ذلك الجهل لمااتخذ البعض ـ وفي طليعتهم الذين اثاروا الحملة ـ من الرأي الذي ابداه مجمع البحوث الاسلامية في الرواية ذريعة للقول بأن الازهر قد حسم الامر وادان الرواية وناشريها بل وذريعة للمطالبة بإقالة الوزير وهو حق دستوري لكل معارض بشرط ان يستند الى اسباب دستورية اما ان يفتقد لابسط المعلومات فليس لذلك معنى سوى ان (مكرم عبيد) كان على حق حين قال ان السياسة في مصر تفتقد الضمير والعقل معا! ولو ان الذين استندوا الى هذا البيان راجعوه بدقة لادركوا ان الذين صاغوه هم ثلاثة من اصحاب الفضيلة اعضاء المجمع كلفوا بقراءة الرواية وكتابة تقرير عنها صدق عليه بقية الاعضاء ولو انهم دققوا فيه لعلموا انه يستند الى فتوى اصدرتها الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة على اساس مشروع اعده رئيسها ـ انذاك ـ المستشار طارق البشري وصدقت عليه في فبراير 1994. وكان النزاع قد نشب ايامها بين الازهر الشريف, وبين الرقابة على المصنفات الفنية ـ احدى هيئات وزارة الثقافة ـ بسبب ترخيصات كان الازهر يمنحها لعدد من شركات الكاسيت كانت تحتكر استنساخ مايلقيه بعض الدعاه الاسلاميين من خطب ومواعظ في المساجد, بطبعها وتوزيعها على اساس ان ذلك من اختصاصه بحكم قانونه وتعرضت هذه الشرائط لحملة عنيفة من الصحف لما كانت تتضمنه من عبارات تمس النظام العام, او تقارن بين الاديان السماوية على نحو يمس مشاعر غير المسلمين. وعندما اشتدت الحملة تنبهت الرقابة الى الامر وراجعت قانونها, لتكتشف ان حق الترخيص بطبع وتوزيع تلك الشرائط هو من سلطتها طبقا لقانونها لا من حق الازهر الذي لا يعطيه قانونه سوى حق التصريح بطباعة وتلاوة المصحف والاحاديث النبوية, وقامت حملات من الرقابة بمصادرة ما بيع من تلك الشرائط في الاسواق وامام المساجد, ورأى فضيلة شيخ الازهر المرحوم جاد الحق علي جاد الحق ـ ان يستطلع رأي مجلس الدولة, الذي اصدر الفتوى المذكورة وخلاصتها ان الازهر هو وحده صاحب الرأي الملزم لوزارة الثقافة في تقدير الشأن الاسلامي للترخيص او رفض الترخيص بالمصنفات السمعية والسمعية البصرية. وفضلا عن ان الفتوى بهذا النص, لا تنطبق على الرواية التي ليست مصنفا سمعيا او بصريا بل مطبوع لا يخضع ـ طبقا للقانون ـ للرقابة الادارية على المصنفات الفنية رفضت تنفيذ الفتوى لان فتاوى مجلس الدولة ليست تفسيرا قانونيا ملزما, وانماالملزم هو الاحكام القضائية وقد اقر القضاء الرقابة على موقفها ذاك عندما اثيرت قضية فيلم (المهاجر) عام 1995 فعلى الرغم من ان مجمع البحوث الاسلامية كان قد رفض الموافقة على سيناريو الفيلم, الا ان الرقابة وافقت عليه وعندما رفع الامر للقضاء ايدت المحكمة استمرار عرضه لأن الترخيص بتصويره صدر عن السلطة المختصة. وفيما عدا طباعة المصحف الشريف, وكتب الاحاديث النبوية, فقد درج القضاء على اعتبار ما يصدر عن مجمع البحوث الاسلامية, فيما يتعلق بغيرها من الكتب هو رأي في الدعوى وليس حكما فيها, وكانت اخر القضايا التي اكدت ذلك, قضية مصادرة كتاب (رب الزمان) الذي ألفه الدكتور سيد محمود القمني وصادرته النيابة العامة عام 1997 استنادا الى بلاغ وتقرير لمجمع البحوث الاسلامية وجاء به ان الكتاب (قد تضمن التهكم والسخرية والاستهانة بالعلماء وبالتراث الاسلامي, وبالأمة الاسلامية وعرض بثلاثة من علماء المسلمين هم الشيخ محمد الغزالي والشيخ عبدالصبور شاهين واللواء ابو العزايم) لكن المحكمة ـ على عكس ما ذهب اليه تقرير المجمع لم تجد في الكتاب مساسا بالدين الاسلامي او سخراية به ولم تجد في نقد المؤلف للمرحوم الشيخ الغزالي او اللواء ابو العزايم او الشيخ عبدالصبور مايمكن اعتباره ازدراء للدين وقالت انه (لا يتعدى نطاق المناظرة النقدية وان اشتدت لهجتها الا بين كبار العلماء والفقهاء والمفكرين, التي يرقى بهاالفكر وينجلي عن الصواب) . اما المهم فهو ان المحكمة مع تقديرها لأن تقرير مجمع البحوث الاسلامية (كتب بدوافع نبيلة قوامها الغيرة على الدين الاسلامي الحنيف) الا انها اعتبرته (مجرد رأي واجتهاد شخصي وعلمي لا يختلف في شيء عن رأي المؤلف) الذي صنف كتابه هو الآخر (بدوافع نبيلة قوامها الرغبة في البحث العلمي واستجلاء الحقيقة الدينية الخالصة) وانتهت من ذلك كله الى ان (الخلاصة الاجتهادية لتقرير مجمع البحوث الاسلامية تتعارض مع الخلاصة الاجتهادية لصاحب الكتاب, وهذا التعارض لا سبيل لرفعه بأن تنفي احدى الخلاصتين الاخرى او تصادرها لما في ذلك من تعارض مع احكام الدستور الذي يكفل حرية الرأي والتعبير والنشر والبحث العلمي والابداع الفني والثقافي, ولكن بالحوار العلمي الرصين والاجتهاد من كل طرف وفتح جميع نوافذ الفكر كي تتجلى الحقائق وتصفو العقول في سبيل فهم حقائق وقيم ديننا الحنيف) . اما الاكثر اهمية فإن حيثيات الحكم قد نصت على انه (حتى وان كان المؤلف قد اخطأ في شيء مما كتب فإن الخطأ المصحوب باعتقاد الصواب شيء وتعمد الخطأ المصحوب بنية التعدي شيء آخر وان تهمة التعدي على الدين, يشترط فيها ان يكون من ارتكبها قد قصد ذلك وتعمده) . وليس الكلام في حاجة الى تعليق فهو واضح فما ابداه تقرير مجمع البحوث الاسلامية بشأن الرواية هو مجرد (اجتهاد) للمحكمة ان تأخذ به او لا تأخذ به, وهو ليس حكما في القضية ولا يجوز لأحد ان يستند اليه ليطالب بمعاقبة الذين نشروا الرواية او بإقالة الوزير, لأن ذلك لو صح يهدم النظام الدستوري من اساسه! اسوأ ما فعلته الحملة هي انها لم ترفع فقط العقل والضمير من الخدمة ولكنها رفعت كذلك القانون والدستور!